دخل نظام التنفيذ الجديد ولائحته التنفيذية في السعودية حيز النفاذ أمس، حاملاً تغييرات جوهرية في إجراءات استيفاء الحقوق المالية، من خلال تحديد مهل زمنية واضحة، وتسريع الحجز على الأموال، وتوسيع نطاق الإفصاح ليشمل الأموال غير المسجلة والموجودة خارج المملكة، إلى جانب وضع ضوابط أكثر تحديداً لمنع السفر والعقوبات المفروضة على المماطلين.
وأكد قانونيون تحدثوا إلى «الاقتصادية» أن النظام يمثل تحولاً نحو تنفيذ أكثر وضوحاً وتوازناً، يقوم على سرعة استيفاء الحقوق، مع توفير ضمانات للمدين الملتزم، بما يعزز القدرة على التنبؤ بالمخاطر القانونية والمالية، ويدعم الثقة في البيئة الاستثمارية المحلية.
5 أيام قبل التنفيذ الجبري.. وحجز للأموال الحالية والمستقبلية
قال المحامي والمستشار القانوني علي المطلق إن أبرز ما يقدمه النظام هو وضوح المهل والإجراءات، إذ تبدأ إجراءات التنفيذ الجبري فور انقضاء 5 أيام عمل من إبلاغ المدين بأمر التنفيذ أو الإعلان عنه، إذا لم ينفذ التزامه، ما لم يقدم ضماناً بنكياً كافياً للوفاء بالحق، وفي هذه الحالة يُمنح عشرة أيام عمل إضافية.
وأوضح أن التنفيذ الجبري يشمل حجز أموال المدين وما يرد إليه مستقبلاً، بما في ذلك مستحقاته لدى الجهات العامة، إلى جانب إشعار الجهات المرخص لها بتسجيل المعلومات الائتمانية بحالة عدم التنفيذ. كما ألزم النظام الجهات المختصة بالاستجابة لأوامر المحكمة وقراراتها المتعلقة بالتنفيذ خلال مدة لا تتجاوز 3 أيام عمل، ما لم يرد نص خاص بخلاف ذلك.
وأضاف المطلق أن النظام يتيح للمحكمة فرض غرامة تصل إلى 5 آلاف ريال عن كل يوم تأخير في التنفيذ، على ألا يتجاوز مجموع الغرامات قيمة الدين محل التنفيذ، وفقاً للائحة التنفيذية، مع إمكانية إلغاء الغرامة أو جزء منها إذا نفذ المدين التزامه.
عقوبات تصل إلى السجن 3 سنوات ومليون ريال
في ما يتعلق بمواجهة المماطلة وإخفاء الأموال، أشار المطلق إلى أن النظام شدد العقوبات على من يتعمد تعطيل التنفيذ أو إخفاء أمواله أو تهريبها بقصد الحيلولة دون استيفاء الحق، أو يقدم بيانات مضللة أو غير صحيحة أثناء الإجراءات.
وبحسب النظام، يعاقب مرتكب هذه الجرائم بالسجن مدة لا تزيد على 3 سنوات، وبغرامة لا تزيد على مليون ريال، أو بإحدى العقوبتين، وفقاً لطبيعة الفعل المرتكب وأحكام النظام.
ولفت إلى أن هذه الإجراءات تمنح الدائن أدوات أكثر فاعلية للوصول إلى حقوقه، مع بقاء التنفيذ خاضعاً للضوابط القضائية، بما يحد من فرص استخدام نقل الأموال أو إخفائها وسيلة للتهرب من الالتزامات.
تتبع الأموال في الخارج .. والإفصاح خلال 5 أيام
من جانبه، قال القانوني المتخصص في القضاء التنفيذي إبراهيم العلي إن النظام الجديد حسم عدداً من المسائل التي كانت تثير جدلاً في ملفات التنفيذ، وفي مقدمتها التعامل مع السندات القديمة، وتحديد التزامات المدين بشأن الإفصاح عن ممتلكاته.
وأوضح أن النظام لا يقبل طلب التنفيذ بسند تنفيذي مضى على تاريخ استحقاقه أكثر من 10 سنوات، مع مراعاة الأحكام النظامية ذات الصلة. وفي الديون المقسطة والالتزامات الدورية المتجددة، تُحتسب المدة لكل قسط أو دفعة من تاريخ استحقاقها، وفقاً للائحة التنفيذية.
وأضاف أن المدين ملزم بالإفصاح عن أمواله خلال 5 أيام عمل من تاريخ إبلاغه بأمر التنفيذ، على أن يشمل الإفصاح الأموال غير المسجلة، والأموال الموجودة خارج المملكة، والمستحقات التي له لدى الغير.
ويمتد نطاق التعاون في الإفصاح عن الأموال إلى الدول الأخرى على أساس المعاملة بالمثل، وفي الحدود التي تحقق الغرض من تبادل المعلومات، وبما لا يمس الأمن الوطني. ويعزز ذلك قدرة الجهات المختصة على التعامل مع محاولات إخفاء الأصول أو نقلها خارج المملكة، وفقاً للضوابط النظامية.
وأشار العلي إلى أن هذه التغييرات تكتسب أهمية خاصة في المعاملات التجارية والاستثمارية، إذ تمنح الدائن وضوحاً أكبر بشأن المدد والإجراءات المتاحة لاستيفاء حقه، وتضع في المقابل التزامات محددة على المدين منذ بدء التنفيذ.
لا منع للسفر تلقائياً .. والديون اليسيرة لها استثناءات
وفي ما يتعلق بمنع السفر، أوضح العلي أن النظام لم يجعله إجراءً تلقائياً أو مفتوح المدة، بل ربطه بطلب من طالب التنفيذ وبشروط محددة، من بينها تعذر الحجز على أموال تكفي للوفاء بالدين، أو وجود ما يمنع استيفاء الحق منها.
وتحدد مدة منع السفر بما لا يتجاوز 3 سنوات، مع جواز التمديد بناءً على طلب جديد، على ألا يتجاوز مجموع المدد 6 سنوات، وينقضي الأمر بانتهاء طلب التنفيذ.
كما تنص اللائحة التنفيذية على رفع منع السفر إذا كان المتبقي من الدين أو مجموع الديون محل التنفيذ لا يتجاوز 50 ألف ريال، بوصفها من المبالغ اليسيرة، وفق الضوابط المحددة. ويُرفع المنع كذلك إذا أفصح المدين عن أموال كافية للوفاء بالدين ولم يوجد ما يحول دون استيفاء الحق منها.
وتتيح هذه الضوابط، بحسب العلي، التمييز بين المدين الذي يمتلك أموالاً يمكن التنفيذ عليها، والمدين الذي يحاول تعطيل الوفاء، بما يحد من استخدام منع السفر على نحو لا يتناسب مع قيمة الدين أو الظروف المرتبطة باستيفائه.
السندات الإلكترونية تقلل النزاعات
وفي جانب آخر، أكد المطلق أن اشتراط تسجيل الكمبيالات والسندات لأمر في المنصات الإلكترونية الوطنية المعتمدة لتكون سندات تنفيذية، وفق الشروط النظامية، من شأنه تقليل النزاعات المرتبطة بصحة هذه الأوراق وبياناتها.
وتشترط اللائحة التنفيذية لتسجيل هذه السندات موافقة الملتزم بها، واستيفاء البيانات اللازمة لصحتها وفق الأنظمة ذات الصلة. ويرى المطلق أن هذا التوجه يدعم موثوقية المستندات المالية، ويعزز وضوح الالتزامات بين أطراف المعاملات التجارية.
«ناجز» يوسّع خدمات التتبع والتظلم
من جهتها، قالت المستشارة القانونية بشرى المحمدي: إن التحديثات المرتبطة بإجراءات التنفيذ عبر منصة «ناجز» تمثل جانباً مهماً من تطبيق النظام، مشيرة إلى إضافة خدمات تتعلق بتتبع أموال المنفذ ضده، والتظلم من القرارات، وإصدار قرارات منع السفر وتمديدها ورفعها.
وأوضحت أن تحديث الإجراءات شمل كذلك مسميات بعض مراحل التنفيذ، بما يُظهر طبيعتها المالية والتنفيذية، بدلاً من المصطلحات السابقة التي قد توحي باتخاذ إجراءات إدارية عامة.
وأضافت المحمدي أن اللائحة أوجبت إخطار المدين قبل تقديم طلب التنفيذ بـ5 أيام عمل على الأقل في حالات محددة، من بينها إذا كان المدين شركة أو شخصاً اعتبارياً خاصاً، أو إذا اتفق الطرفان على الإخطار، مع مراعاة الاستثناءات النظامية. وتمنح هذه المهلة الشركات فرصة للوفاء أو معالجة الالتزام قبل قيد طلب التنفيذ.
كما أشارت إلى أن طالب التنفيذ الذي يُبلّغ بوجود نواقص في طلبه يُمنح 10 أيام عمل لاستكمالها، وله التظلم وفق الإجراءات والمدد النظامية إذا رُفض الطلب، بما يتيح معالجة أوجه النقص بدلاً من رفض الطلب مباشرة دون إتاحة فرصة الاستكمال.
بيئة استثمارية أكثر وضوحاً
وتتفق هذه التغييرات، وفق ما طرحه المختصون، عند هدف رئيس يتمثل في جعل إجراءات التنفيذ أكثر قابلية للتوقع، من خلال مهل محددة للإفصاح والحجز والاستجابة للأوامر، وأدوات أوسع للوصول إلى الأموال، وعقوبات على السلوكيات التي تستهدف تعطيل استيفاء الحقوق.
وبالنسبة إلى المستثمرين المحليين والأجانب، لا تقتصر أهمية النظام على تسريع تحصيل الديون، بل تشمل وضوح التبعات القانونية عند الإخلال بالالتزامات، وتحديد القيود التي يمكن فرضها على المدين ومددها، إلى جانب تنظيم التعامل مع السندات التنفيذية.
وبدءاً من اليوم، يضع النظام إطاراً أكثر تحديداً للعلاقة بين حق الدائن في استيفاء مستحقاته وضمانات المدين، مع التركيز على التنفيذ المالي المنظم، وتوسيع الإفصاح عن الأموال، وتقليص مساحة الغموض التي قد تحيط بالنزاعات التجارية والمالية.

