في الفترة التي سبقت فقاعة الإنترنت، كان أغنى 20% من المستهلكين الأمريكيين يمثلون 50% من إجمالي الإنفاق، مدفوعين بالارتفاع الكبير في قيمة محافظهم الاستثمارية. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تتكرر الظاهرة.
تكتسب الأسر الأكثر ثراءً في الولايات المتحدة ثقة متزايدة مع نمو قيمة أصولها، لكن هذه المرة، يمثل إنفاق هذه الفئة (أعلى 20%) نحو 60% من إجمالي النفقات الشخصية، ما يعني أن النمو الاقتصادي أصبح يعتمد أكثر على فئة صغيرة من المجتمع مقارنة بالدورات السابقة.
وفي حديثه مع مجلة "فورتشن"، يرى مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في "موديز"، أن هذا لا يشكل مشكلة في حد ذاته، لكنه يعني أن صحة الاقتصاد الأمريكي باتت متوازنة على مجموعة متأرجحة من "أحجار الدومينو" القابلة للسقوط.
وأشار زاندي إلى أن الأسر التي تتقاضى 200 ألف دولار أو أكثر سنوياً هي المحرك الأساس للإنفاق الإجمالي. إذ نما إنفاق هذه الفئة %6.5 (أو 4% بعد احتساب التضخم).
في المقابل، ظل إنفاق الـ80% المتبقين من الشعب ثابتاً دون تغيير عند احتساب التضخم. ويوضح زاندي: "هذه الفجوة مستمرة منذ الجائحة، وهي تفسر سبب شعور معظم الأمريكيين بالإحباط تجاه أوضاعهم المالية وأداء الاقتصاد العام".
ويفسر هذا التباين التناقض بين البيانات الاقتصادية الإيجابية وانطباع المستهلكين. فالاقتصاد الأمريكي يبدو جيداً بالأرقام، البطالة مستقرة، والناتج المحلي الإجمالي نما 2.1% في الربع الأول من عام 2026. لكن الواقع يثبت أن "الاقتصاد على شكل حرف K"، حيث تتنامى ثروة الأثرياء فيما يتخلف الباقون، لا يزال قائماً ومستمراً.
وتظهر بيانات الاحتياطي الفيدرالي أنه منذ الجائحة، نما إنفاق الـ80% الأقل دخلاً 4.5%، بينما قفز إنفاق الـ 20% الأغنى 8.3% مدفوعاً بـ"تأثير الثروة"، حيث تزيد رغبة المستهلكين في الإنفاق مع ارتفاع قيمة أصولهم في سوق الأسهم.
فقاعة أسهم الذكاء الاصطناعي
تتركز أصول سوق الأسهم لدى الأثرياء. يمتلك أعلى 20% من السكان الأمريكيين ما يقارب 90% من أسهم الشركات وصناديق الاستثمار المشتركة. لكن زاندي يحذر من مدى استدامة هذا الارتفاع في الأسهم، مشيراً إلى أن بعض عناصر السوق "مقومة بأكثر من قيمتها الحقيقية، وتكاد تقترب من مرحلة المضاربة".
ويرى أن مضاعفات الربحية التي تقف عند 19 ضعفا تطلق إشارات تحذيرية، مضيفاً: "قد يكون من المبالغة وصف سوق الأسهم الحالية بالفقاعة، لكن المؤشرات التحذيرية تتراكم.
صحيح أن أسهم الذكاء الاصطناعي ارتفعت لأسباب جوهرية قوية كونه تكنولوجيا ستغير قواعد اللعبة، لكنها تلقت أيضاً دفعة هائلة من صناديق المؤشرات التي تضطر للشراء فيها ببساطة لأن حجم هذه الشركات أصبح يمثل حصة أكبر من المؤشر".
وينتهي زاندي إلى أن الإنفاق الاستهلاكي الحالي أكثر هشاشة مما يبدو. وإذا سارت الأمور وفق السيناريو المرسوم، فسيكون الاقتصاد بخير.
مع ذلك، "ليس من الصعب تصور سيناريو بديل تتعثر فيه سوق الأسهم، ما يدفع فئة الأثرياء إلى الحذر في إنفاقهم، ويقود الاقتصاد الأوسع نحو المعاناة والركود".