لم تكن صورة «السيلفي» التي جمعت الدكتور فيليب بوليتي، مؤسس شركة Carvolix والرئيس التنفيذي لشركة Truffle Capital، بالأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مجرد لقطة تذكارية التقطت في ختام مأدبة العشاء الرسمية التي أقيمت في قصر الإليزيه، بل تحولت بالنسبة إلى بوليتي إلى صورة تختزل، في بساطتها، أجواء زيارة حملت طموحات واسعة لتعميق الشراكة السعودية–الفرنسية.
قال بوليتي لـ"الاقتصادية" إن تلك اللحظة عكست أجواء إيجابية وروحًا ودية وطموحًا مشتركًا لفتح فصل جديد في العلاقات بين البلدين، خصوصًا في قطاعات الرعاية الصحية والابتكار والتكنولوجيا الحيوية والتكنولوجيا الطبية.
«سيلفي» بدأت بحوار قصير وانتهت برسالة أكبر
أكد بوليتي، الذي شغل سابقًا رئاسة جمعية France Biotech الفرنسية للتكنولوجيا الحيوية، وعضو قاعة مشاهير المخترعين في جامعة ستانفورد في وادي السيليكون، أن الصورة التقطت في ختام حوار قصير، لكنه كان ذا معنى، خلال مأدبة العشاء الرسمية في قصر الإليزيه، موضحًا أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي تربطه به معرفة شخصية وصداقة، قدمه إلى الأمير محمد بن سلمان باعتباره أحد رواد الأعمال الفرنسيين الناجحين في بناء وتطوير شركات دولية مبتكرة في قطاعي التكنولوجيا الحيوية والتكنولوجيا الطبية.
وأضاف: «قبل أن نفترق، اقترحت التقاط صورة تجمعنا لتوثيق تلك اللحظة. وقد وافق ولي العهد والرئيس ماكرون، وكانت الأجواء دافئة وودية، اتسمت بالارتياح وروح الدعابة».
وأكد بوليتي أنه لا يتحدث نيابة عن ولي العهد ولا يصف انطباعه الشخصي، لكنه أشار إلى أنه تأثر كثيرًا بدفء التفاعل الذي جمعهم.
وبالنسبة إلى بوليتي، فإن قيمة الصورة تتجاوز كونها ذكرى شخصية؛ فهي، بحسب وصفه، تجسد بصورة بسيطة الروح الإيجابية التي أحاطت بالزيارة والطموح لفتح فصل جديد في شراكة سعودية–فرنسية مستدامة وطويلة الأمد في الرعاية الصحية والابتكار والصناعة.
وشدد في الوقت نفسه على أن الصورة لا تعني وجود التزام رسمي أو تعهد محدد، حتى الآن، من جانب الحكومة السعودية أو شركة Carvolix، لكنها تعكس، من وجهة نظره، تنامي روح العلاقات بين البلدين، كما تتقاطع مع هدفه الشخصي في بناء تحالف فرنسي–سعودي طويل الأمد في التكنولوجيا الحيوية والطبية والرعاية الصحية.
من «السيلفي» إلى شراكة تمتد لعقود
يرى بوليتي أن لقاءه بالأمير محمد بن سلمان، بحضور الرئيس ماكرون، عزز لديه قناعة بأن السعودية تنظر إلى الشراكة مع فرنسا من منظور استراتيجي طويل الأمد، يمتد لعقود، وليس من خلال صفقات منفردة.
وقال إن العلاقات السعودية–الفرنسية تدخل مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من التعاون التقليدي ونقل التكنولوجيا إلى التطوير المشترك والتصنيع والتصدير وبناء شركات عالمية.
وأضاف: «السعودية لا تبحث فقط عن استيراد تقنيات الغد، بل تريد المشاركة في تطويرها وتصنيعها وتصديرها بالتعاون مع شركاء دوليين».
شراكة تتجاوز الصفقات
بحسب بوليتي، تمتلك فرنسا، وشركتا Truffle Capital وCarvolix على وجه الخصوص، قدرات متقدمة في الطب والعلوم والهندسة الطبية الحيوية والتقنيات الطبية، في حين تتمتع السعودية بموارد كبيرة وكفاءات طبية متميزة، إلى جانب قدرتها على التحرك بسرعة وتنفيذ المشاريع على نطاق واسع.
ويرى أن الجمع بين هذه المقومات يمكن أن يؤسس لنموذج جديد من الشراكة، يجمع العلوم والتكنولوجيا والخبرة الريادية الفرنسية مع رأس المال والكفاءات والسوق والقدرات الصناعية السعودية.
وأشار إلى أن تأسيس Carvolix Saudi وإطلاق SAF-MD يمثلان من وجهة نظره خطوات عملية أولى لترجمة هذه الرؤية إلى مشاريع ملموسة.
أكثر من 22 اتفاقية.. والاختبار الحقيقي يبدأ بالتنفيذ
في تقييمه لنتائج الزيارة السعودية–الفرنسية، أشار بوليتي إلى إنشاء أول مجلس للشراكة الاستراتيجية السعودية–الفرنسية، إلى جانب توقيع أكثر من 22 اتفاقية ومذكرة تفاهم، فضلًا عن إطار مالي مخصص للمشروعات التي تقودها الشركات الفرنسية في المملكة.
ووصف هذه النتائج بأنها «إيجابية للغاية»، لكنه شدد على أن المرحلة الأهم تبدأ بعد توقيع الاتفاقيات، قائلًا إن التنفيذ هو التحدي الحقيقي.
ودعا الشركات الفرنسية الراغبة في الاستفادة من الفرص المتاحة في السعودية إلى تبني رؤية طويلة الأجل، والاستعداد للاستثمار محليًا، وتدريب الكفاءات، وإنشاء قدرات تصنيع داخل المملكة، ثم التوسع من السعودية إلى الأسواق العالمية.
مصنع متقدم للأجهزة الطبية في الرياض
كشف بوليتي أن شركة Carvolix Saudi تعمل على إنشاء منشأة تصنيع متقدمة في السعودية للأجهزة الطبية ذاتية التشغيل، تعتمد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات.
وأوضح أن الموقع المرجح للمنشأة هو الرياض، وأنها تستهدف خدمة الأسواق السعودية والأوروبية والآسيوية، مع إمكانية الوصول مستقبلًا إلى السوق الأمريكية.
وبحسب بوليتي، فإنه في حال استكمال اختيار الموقع وتأمين التمويل والحصول على الموافقات التنظيمية، يمكن أن تبدأ المرحلة الأولى من التصنيع في 2028، لإنتاج روبوت TAVIPILOT وحلقة الصمام التاجي القابلة للتعديل KALIOS.
ومن المنتظر أن يوفر المشروع وظائف عالية المهارة، مع توجيه نسبة كبيرة من الإنتاج للتصدير إلى أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا وأوروبا، وربما الولايات المتحدة.
وأشار إلى أن الأجهزة الطبية التي تستهدف الشركة تصنيعها في السعودية يمكن أن تسهم في علاج اضطرابات صمامات القلب والسكتات الدماغية، في سوق قد تصل قيمتها إلى نحو 23 مليار دولار بحلول 2030، وفق تقديراته.
«التصنيع جزء من المنتج»
يؤكد بوليتي أن التصنيع في قطاع الأجهزة الطبية المتقدمة لا يمثل مجرد مرحلة إنتاجية، بل هو جزء أساسي من المنتج ومن استراتيجية الشركة.
وقال إن الانتقال من إنتاج كميات صغيرة إلى الإنتاج التجاري واسع النطاق يمثل شرطًا أساسيًا لبناء شركة عالمية، مشيرًا إلى أن إنشاء منشأة تصنيع متخصصة يتطلب استثمارات وخبرات وترتيبات تنظيمية طويلة الأمد.
لذلك، فإن قرار اختيار موقع التصنيع، بحسب رؤيته، ليس قرارًا تشغيليًا قصير الأجل، بل قرار استراتيجي يمكن أن يحدد مستقبل الشركة والأسواق التي ستصل إليها.
ويرى أن توطين هذه الصناعات في السعودية يمكن أن يمنح المملكة قاعدة صناعية متقدمة في قطاع الأجهزة الطبية، وفي الوقت ذاته يوفر للشركات الفرنسية منصة للوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
السعودية منصة لبناء شركات عالمية
لا يرى بوليتي أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تقتصر على الاستثمار في شركات قائمة، بل يدعو إلى تأسيس شركات جديدة من السعودية قادرة على المنافسة عالميًا.
ويستشهد بتجربة شركة Abivax التي أسسها وترأس مجلس إدارتها لمدة 10 سنوات، باعتبارها نموذجًا لما يمكن أن تنتجه العلوم والتكنولوجيا الفرنسية عندما تحصل على التمويل والحجم المناسبين.
ويشير إلى أن الشركة أصبحت، وفق تقييمه، من أبرز شركات التكنولوجيا الحيوية عالميًا، وتجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار، كما شهدت طرحًا عامًا في الولايات المتحدة بقيمة 920 مليون دولار في يوليو.
كما يقدم Carvolix نموذجًا آخر في قطاع الأجهزة الطبية التدخلية، مؤكدًا أن الجمع بين الطموح والتمويل بالحجم المناسب يمكن أن يحول الابتكار العلمي إلى شركات عالمية.
الذكاء الاصطناعي والروبوتات.. قلب الشراكة الصحية المقبلة
يعتقد بوليتي أن أحد أكبر مجالات التعاون المستقبلي بين السعودية وفرنسا يقع عند تقاطع الرعاية الصحية والذكاء الاصطناعي والروبوتات والتصنيع المتقدم والتكنولوجيا الحيوية.
وأوضح أن التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي والروبوتات يمكن أن يساعد الأطباء في تنفيذ الإجراءات الطبية المعقدة بدرجة أكبر من الاتساق والدقة، كما يمكن أن يسهم في إتاحة التقنيات المتقدمة لعدد أكبر من المراكز الطبية والمرضى.
وضرب مثالًا بأمراض صمامات القلب والسكتات الدماغية، حيث يعتمد العلاج في كثير من الحالات على عدد محدود من الفرق الطبية المتخصصة، معتبرًا أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد على توسيع نطاق الوصول إلى هذه الخدمات الطبية المتقدمة.
«mRNA».. نافذة جديدة للتعاون
لا تتوقف الفرص عند الأجهزة الطبية، إذ يرى بوليتي أن التكنولوجيا الحيوية والعلاجات القائمة على تقنية mRNA تمثل مجالًا آخر يمكن أن يشهد تعاونًا سعوديًا–فرنسيًا.
وقال إن التعاون بين Truffle Capital وشركات رائدة في مجال mRNA يمكن أن يفتح الباب أمام إنشاء شركات تكنولوجيا حيوية في السعودية تعمل على تطوير أدوية جديدة، بما في ذلك علاجات للأمراض النادرة، إضافة إلى برامج الأجسام المضادة وحيدة النسيلة.
وأشار إلى أن تقنية mRNA أثبتت أهميتها العالمية خلال جائحة كوفيد-19، وأصبحت من التقنيات الواعدة في مستقبل صناعة الأدوية.
الطاقة والبنية التحتية وإعادة تدوير البلاستيك
في قطاعات أخرى، قال بوليتي إن الطاقة والبنية التحتية ستظل من المجالات الاستراتيجية الرئيسية للتعاون السعودي–الفرنسي، إلى جانب فرص واعدة في إعادة تدوير البلاستيك.
إلا أنه يرى أن الفرص الأكثر تميزًا تكمن في القطاعات التي تجمع التكنولوجيا بالصناعة والرعاية الصحية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتصنيع المتقدم والتكنولوجيا الحيوية.
من الاتفاقيات إلى المشاريع.. «التنفيذ أولًا»
لتحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى استثمارات ومشروعات ووظائف، يرى بوليتي أن هناك حاجة إلى خطوات تنفيذية واضحة، تبدأ بتحديد مسؤولين عن كل مشروع من الجانبين السعودي والفرنسي، وتأمين التمويل، ووضع جداول زمنية محددة وأهداف قابلة للقياس.
كما دعا إلى التعامل مع المتطلبات التنظيمية ومعايير الجودة وحقوق الملكية الفكرية والمشتريات والمحتوى المحلي وخطط التصدير منذ المراحل الأولى للمشروعات، بدلًا من تأجيلها إلى مراحل لاحقة.
وبالنسبة إلى Carvolix، أوضح أن الأولوية الحالية تتمثل في استكمال اختيار الموقع، الذي يرجح أن يكون في الرياض، وتأمين التمويل اللازم للمشروع.
السعودية للتصنيع.. وفرنسا للبحث والأسواق
ويقترح بوليتي نموذجًا للتكامل الصناعي يقوم على توزيع الأدوار بما يحقق قيمة مضافة للبلدين؛ بحيث تواصل فرنسا الإسهام في البحث العلمي والهندسة والوصول إلى الأسواق العالمية، بينما توفر السعودية التصنيع التجاري واسع النطاق والكفاءات المحلية وإجراء التجارب السريرية.
ويرى أن نجاح هذا النموذج يجب ألا يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بنتائج ملموسة، تشمل حجم الاستثمارات المنفذة، وعدد الوظائف النوعية، وعدد الأطباء الذين تم تدريبهم، والمنتجات التي تم تسجيلها، والتجارب السريرية التي تم إطلاقها، والموافقات التسويقية التي تم الحصول عليها، إضافة إلى حجم الإنتاج والصادرات.
من صورة تذكارية إلى شراكة قابلة للقياس
بينما بدأت قصة بوليتي مع ولي العهد والرئيس الفرنسي بصورة «سيلفي» عفوية في أجواء ودية داخل قصر الإليزيه، فإن الرسالة التي يحمّلها لهذه الصورة تتجاوز لحظة التقاطها.
فالصورة، في قراءته، تختزل مرحلة جديدة في العلاقة السعودية–الفرنسية: انتقال من الشراكة القائمة على الصفقات ونقل التكنولوجيا إلى شراكة تقوم على بناء القدرات، وتطوير التكنولوجيا، والتصنيع، وتأسيس الشركات، ثم تصدير الابتكار إلى العالم.
لكن بوليتي يضع معيارًا أكثر أهمية من قيمة الاستثمارات أو عدد المصانع أو الاتفاقيات.
المعيار الأهم.. حياة المرضى
في نهاية المطاف، يرى بوليتي أن نجاح هذه الشراكة لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المشاريع أو حجم التمويل أو قيمة الشركات، وإنما بالأثر الذي تتركه على الإنسان.
ويختصر رؤيته في معيار واحد: عدد المرضى الذين ستصل إليهم هذه التقنيات، والمرضى الذين ستتحسن حياتهم نتيجة هذا التعاون.
وهكذا، قد تبقى صورة «السيلفي» من مأدبة الإليزيه لقطة عابرة في ظاهرها، لكنها بالنسبة إلى بوليتي تحمل معنى أوسع: لحظة شخصية عفوية تعكس طموحًا اقتصاديًا وصناعيًا وطبيًا يريد أن يتحول من صورة تذكارية إلى مشاريع وشركات ومنتجات تصل من السعودية إلى العالم.

