مع استعداد الرياض لاستقبال النسخة الخامسة من مؤتمر التعدين الدولي غدا، يتعامل صناع القرار في القطاع مع الحدث بوصفه منصة تتجاوز إطار المؤتمرات التقليدية، إلى مساحة لإعادة تشكيل خريطة المعادن الإستراتيجية وسلاسل الإمداد العالمية في مرحلة يتزايد فيها الطلب على النحاس والليثيوم والمعادن الأرضية النادرة بفعل التحول الطاقي وتسارع الاستثمار في التقنيات الخضراء.
ويأتي المؤتمر في وقت ترى فيه السعودية أن قطاع التعدين يتحول تدريجيا من "فرصة كامنة في باطن الأرض" إلى رافعة اقتصادية تعيد توزيع أوزان النمو خارج حدود النفط، ضمن مستهدفات رؤيتها الهادفة إلى تعميق التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمار طويل الأجل.
موقع سعودي متقدم في سباق تأمين المعادن الإستراتيجية
سؤال المرحلة: هل تلحق الموارد بالطلب المتسارع؟
في هذا السياق، لا يقتصر المؤتمر على الإعلان عن الاتفاقيات أو الترويج للفرص الاستثمارية، بل يمثل اختبارا لمدى قدرة الدول والشركات على التكيف مع اقتصاد عالمي يعاد تشكيله حول معادن باطن الأرض.
وبينما ترتفع الرهانات على النحاس والليثيوم والمعادن الأرضية النادرة، يتجه النقاش في الرياض إلى سؤال أوسع: كيف يمكن لتدفقات رأس المال والتقنية والتشريعات أن تتحرك بالسرعة الكافية لتلبية الطلب المتصاعد على موارد محدودة؟ والجواب هنا كما يبدو من مسار التحضيرات –لم يعد محصورا في البيانات الرسمية، بل يتشكل عبر تحالفات جديدة وصيغ تمويل مبتكرة، ودور متنام لاقتصادات ناشئة تسعى إلى حجز موقع مبكر في المشهد المعدني العالمي الذي يتبلور الآن.
من المرتبة 104 إلى 23 عالميا
نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية لشؤون التعدين المهندس خالد المديفر، يقول: إن السعودية تحركت "بإيقاع أسرع مما كان متوقعا" في إعادة هيكلة القطاع، مشيرا إلى انتقالها –وفق تقارير دولية– من المرتبة 104 إلى المرتبة 23 في مؤشرات جاذبية الاستثمار المعدني.
ويستند هذا التحول إلى قفزة لافتة في عدد الشركات العاملة في القطاع وفق تصريحات المديفر الأسبوع الماضي، حيث ارتفع من 6 شركات فقط قبل سنوات قليلة إلى أكثر من 226 شركة حاليا، إضافة إلى نمو ملموس في الإنفاق على أعمال الاستكشاف بنسبة تتجاوز 110%، وتوسع نطاق الرخص التعدينية والجولات التنافسية التي تغطي عشرات آلاف الكيلومترات داخل أراضي السعودية.
المؤتمر منصة لصياغة سياسات واقعية
المديفر يصف فكرة المؤتمر بأنها ولدت من إدراك أن الصناعة المعدنية لم تعد تحتاج إلى النقاش بقدر حاجتها إلى الأفعال والنتائج الملموسة، في وقت تواجه فيه سلاسل الإمداد تحديات جيوسياسية وهيكلية، وتضغط متطلبات الطاقة النظيفة على الطلب العالمي للمعادن الحرجة.
ويشير إلى أن الاجتماع الوزاري الذي سيبدأ غدا الثلاثاء والمصاحب للمؤتمر تحول خلال السنوات الماضية إلى مساحة عملية لتنسيق السياسات بين الدول المنتجة والمستهلكة، مع التأكيد على 3 محاور أساسية: تحقيق عوائد اقتصادية شاملة للدول، ودعم الاستدامة البيئية والاجتماعية في المجتمعات المحلية، وتعزيز القدرات الحكومية والتنظيمية لرفع كفاءة إدارة الموارد.
معركة الحلقات الناقصة في سلاسل الإمداد
ويرى المسؤول السعودي في هذا القطاع الذي يعد الرافد الثالث للاقتصاد الوطني أن تمويل التعدين أصبح عنصرا محوريا في النقاش العالمي، مشيرا إلى التعاون القائم مع البنك الدولي الذي أطلق لأول مرة إستراتيجية متخصصة لتمويل القطاع، في موازاة التركيز على تطوير البنية التحتية للشبكات الكهربائية اللازمة لتشغيل المناجم الجديدة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية ومناطق إنتاج النحاس والمعادن الإستراتيجية.
ويضيف أن 66% من الشركات العاملة حاليا في مجال الاستكشاف داخل البلاد لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة، ما يعكس دخول مستثمرين جدد وتزايد شهية المخاطر المرتبطة برأس المال الجيولوجي.
حضور عالمي كثيف.. وعودة متكررة للمشاركين
وعلى مستوى التأثير الدولي، يشير المديفر إلى أن نحو 70% من حضور المؤتمر يأتون من خارج السعودية، فيما يعود قرابة نصف المشاركين سنويا بصفة متكررة، وهو ما يعكس –على حد وصفه– أن المؤتمر لم يعد حدثا موسميا، بل أصبح جزءا من البنية العالمية للحوار حول مستقبل التعدين.
ويضيف أيضا أن الاهتمام لا يقتصر على الشركات الكبرى، بل يشمل الجهات التمويلية، والمؤسسات متعددة الأطراف، وشركات الخدمات الجيولوجية والتقنية التي تبحث عن نقاط دخول إلى أسواق جديدة.
بناء رأس المال البشري شرط التحول إلى مركز معدني عالمي
ومن بين الملفات التي يركز عليها الجانب السعودي، يأتي تطوير القدرات البشرية باعتباره شرطا لازما لجذب الاستثمار طويل الأجل. وفي هذا السياق، تم تأسيس معهد متخصص للتعدين في عرعر، وتخريج أكثر من ألف شاب وشابة للعمل في القطاع، إضافة إلى دعم البرامج الأكاديمية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، والعمل على إنشاء "كلية التعدين السعودية" بالشراكة مع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية لتكون منصة بحثية وتدريبية في مجالات الجيولوجيا والتقنيات التعدينية المتقدمة. كما تعمل السعودية على إنشاء شبكة من مراكز التميز بالتعاون مع دول عدة، بهدف رفع جودة الخرائط الجيولوجية وتحسين البيانات الفنية التي تُعد شرطاً أساسياً لقرارات الاستثمار.
تركيبة متنوعة من صناع القرار الحكوميين والشركات الكبرى
ولا تقاس عالمية المؤتمر لا تقاس فقط بحجم الحضور أو عدد الجلسات، بل بتركيبته النوعية التي تجمع في مكان واحد صناع القرار الحكوميين والشركات الكبرى والخبراء والممولين الدوليين، بحسب تعبير علي المطيري مدير عام مؤتمر التعدين الدولي.
وفق المطيري فإن الحدث الذي انطلق 2022، بات أحد أبرز المنصات المؤثرة اقتصاديا واعلاميا في المنطقة، حيث تحولت مبادرات كانت في السابق افكارا مطروحة للنقاش إلى برامج تنفيذية ضمن سياسات الدول والمؤسسات المشاركة.
معادن التحول الطاقي.. ورهان على 9 تريليونات ريال
تحت الأرض وتتناول جلسات المؤتمر هذا العام قضايا المعادن الحرجة ودورها في التحول الطاقي، وتمويل الاستكشاف والبنية التحتية، وتكامل سلاسل الإمداد العالمية، ومتطلبات الاستدامة والمسؤولية المجتمعية في المناطق التعدينية، إلى جانب بناء القدرات البشرية والتقنية في الدول النامية التي تمتلك ثروات معدنية غير مستغلة.
ويأتي ذلك في ظل تقديرات تشير إلى أن قيمة الموارد المعدنية غير المستغلة في السعودية تتجاوز 9 تريليون ريال، تمثل احتياطيا إستراتيجيا يمكن أن يعيد تشكيل خريطة النمو الصناعي في المنطقة خلال العقد المقبل.




