الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

السبت, 11 أبريل 2026 | 23 شَوَّال 1447
Logo

كيف تحافظ السعودية على استقرار الأسعار رغم الحرب؟

أفنان عبدالله
أفنان عبدالله من الرياض
الاثنين 6 أبريل 2026 12:42 |6 دقائق قراءة
كيف تحافظ السعودية على استقرار الأسعار رغم الحرب؟

تختبر الحروب متانة الاقتصادات، فبينما واجهت الولايات المتحدة ارتفاعا في أسعار البنزين بنسبة 30%، اضطرت مصر لتقليص ساعات العمل وإغلاق المحال مبكرا لترشيد الكهرباء، في حين عانت الدول النامية من تعطل إمدادات الأسمدة ما هدد أمنها الغذائي. وبينما تتفاوت حدة الأزمات بين اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع التكاليف، تبرز التساؤلات حول وضع السعودية في ظل هذه الأوضاع الاستثنائية.

مؤسس مركز جواثا الاستشاري إحسان بوحليقة قال لـ"الاقتصادية": إن دخول الحرب في أسبوعها السادس-مع استمرار الضربات- فإن الوضع لا يزال غامضا ومتقلبا، ما يجعل من الصعب الحكم النهائي على نتائجها طويلة الأمد.

ويواجه العالم أحد أهم التوترات الجيوساسية إثر الحرب التي اندلعت في 28 فبراير الفائت، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما تبعها من هجمات واعتداءات الأخيرة على السعودية وبقية دول مجلس التعاون.

صدمة في سوق النفط انتقلت إلى الأسواق المالية

بو حليقة أوضح أن آثار إغلاق مضيق هرمز في الأيام الاولى للحرب لم تقتصر على المنطقة، بل امتدت إلى اضطرابات في إمدادات الطاقة عالميا، مع انتقال الصدمة إلى الأسواق المالية، بما في ذلك أسواق السندات، في حين أظهر الاقتصاد السعودي مرونة في استيعاب هذه الصدمات وقدرة على التكيف مع المتغيرات.

من جانبه أكد الخبير الاقتصادي محمد مكني لـ"الاقتصادية"، أن السعودية تتمتع بمستويات تضخم مستقرة ومثالية، حيث تراوحت بين 1.8% و2.2% خلال العام الماضي 2025، واستمرت بنفس المستوى مع بداية 2026. ويعود هذا الاستقرار إلى الإصلاحات الهيكلية التي نفذت خلال السنوات الماضية، مشيرا إلى أن التضخم سيظل معتدلا على المدى القصير ما لم تطل مدة الحرب في المنطقة.

وتصدر هيئة الإحصاء مؤشرا شهريا لمعدل التضخم في السعودية، لكن آخر البيانات المتاحة لشهر فبراير الذي سبق الحرب.

وأشار إلى أن أسعار النفط ارتفعت بنسبة تراوحت بين 15% و50% منذ بداية الحرب، مع تجاوز خام برنت مستوى 120 دولارا في بعض الفترات نتيجة تعطل الإمدادات، ما دعم الإيرادات النفطية للمملكة على المدى القصير، خاصة مع نجاحها في إعادة توجيه صادراتها غربا.

السعودية تتكيف مع إغلاق هرمز من خلال خط أنابيب شرق-غرب

ومن أبرز عوامل التكيف وفقا لبو حليقة، قدرة السعودية على الاستفادة من خط أنابيب شرق-غرب (بترولاين)، الذي مكنها من نقل ما يصل إلى 7 ملايين برميل يوميا خلال الأسبوع الأخير من مارس، ما أسهم في تقليل الاعتماد على مضيق هرمز والحد من تأثير تعطل الإمدادات.

ورجح أن يكون تأثير الحرب في الاقتصاد السعودي محدودا في حال انتهائها خلال فترة قريبة، إلا أن استمرارها أو امتداد الهجمات قد ينعكس على معدلات النمو، التي يُتوقع أن تبلغ نحو 3.9% للاقتصاد ككل و4.2% للقطاع غير النفطي، مقارنة بتقديرات سابقة كانت تشير إلى نمو يقارب 4.5% إلى 4.6% قبل اندلاع الحرب.

كما أوضح مكني أن من أهم عوامل كبح التضخم بالسعودية و عدم وصول بوادر التضخم التي شهدتها بعض الدول إلى المستهلك السعودي، ربط الريال بالدولار، الذي يثبت أسعار الواردات، والدعم الحكومي المكثف للطاقة والسلع الأساسية إضافة إلى ارتفاع أسعار النفط الذي يمكن الدولة من الإنفاق على الدعم بشكل أكبر لحماية المستهلك، والسعودية قادرة على الحفاظ على استقرار صادرات النفط عبر البحر الأحمر، ما يعوض أي تذبذب محتمل في الإنتاج.

إضافة إلى أن ارتفاع أسعار النفط الناتج عن التوترات الإقليمية قد يرفع تكلفة السلع والخدمات، لكن الدعم الحكومي للطاقة والمواد الأساسية يعمل كآلية لامتصاص جزء من التضخم، ما يحمي المستهلك من أي آثار مباشرة.

حماية المستهلك لـ"الاقتصادية: مؤشرات دورية تظهر استقرار الأسعار

أظهرت الأسواق المحلية للفترة من 28 فبراير إلى 31 مارس 2026 حالة من الاستقرار والاتزان في أسعار السلع الغذائية الأساسية، وفق ماذكر أحمد المهلكي المدير التنفيذي لجمعية حماية المستهلك لـ"الاقتصادية"، حسب تقرير خلال المتابعة الميدانية والمؤشرات البيانية الدورية.

ورغم الظروف الإقليمية والتقلبات الاقتصادية العالمية المرتبطة بالحرب، لم تشهد المملكة موجة ارتفاع عامة في الأسعار، فيما سجلت بعض السلع انخفاضا محدودا، ما يعكس متانة سلاسل الإمداد المحلية وتوفر المخزون الكافي.

استهلاك مستقر نسبيا مدعوما بفترتي رمضان والعيد

أكد على ذلك بو حليقة بأن الاستهلاك الخاص لا يزال نشطا، رغم تسجيل تراجع طفيف في الإنفاق عبر نقاط البيع، حيث بلغ نحو 13 مليار ريال في الأسبوع المنتهي في 28 مارس، مقارنة بـ14.8 مليار ريال في الأسبوع السابق، مع انخفاض في الإنفاق على الملابس والإكسسوارات، مقابل ارتفاع ملحوظ في الإنفاق على المطاعم والمقاهي، مدفوعا بعوامل موسمية مرتبطة بعيد الفطر.

أما على مستوى السيولة، فقد سجل عرض النقود (M3) مستوى قياسيا بلغ 3.218 تريليون ريال، ما يدعم استمرار الائتمان والنشاط في القطاع الخاص. ومن ناحية التضخم، بقيت الأسعار تحت السيطرة، حيث استقر مؤشر أسعار المستهلك عند 1.7% في فبراير 2026 على أساس سنوي، مع استقرار أسعار الغذاء والوقود محليا، بحسب بو حليقة.

القطاع غير النفطي في مارس بين النمو والانكماش

في المقابل هبطت قراءة مؤشر مديري المشتريات (PMI) للقطاع غير النفطي لشهر مارس 2026 هبوطا واضحا إلى 48.8 نقطة، وهي دون حاجز الــ50 نقطة، وهو الحاجز الفاصل بين النمو والانكماش، وهذه القراءة الأدنى منذ أغسطس 2020.مقارنة بشهر فبراير 56.1 نقطة، وقد كانت الأعلى بين دول منطقة الشرق الأوسط خلال الشهر،

ويعتبر مؤشر PMI أحد أبرز مؤشرات قياس مستوى النشاط الاقتصادي في القطاع الخاص، حيث تعكس أي قراءة فوق 50 نقطة آفاق نمو، وكلما ارتفعت القيمة زادت قوة النمو، وإن كان المؤشر- وفقا لبو حليقة - يفقد شيئا من قدرتهِ التنبؤية في حالات عدم الاستقرار ولاسيما صدمات العرض، حيث يخلط الفاقد في الكفاءة الإنتاجية مع اتجاهات الطلب.

أظهر الاقتصاد السعودي مرونة عالية في التعامل مع تداعيات الحرب، سواء من خلال استقرار أسعار السلع الأساسية، أو كفاءة سلاسل الإمداد، أو القدرة على إعادة توجيه الصادرات النفطية، ما يعزز قدرته على احتواء الصدمات، مع بقاء التحديات مرهونة بتطورات المشهد الجيوسياسي في الفترة المقبلة كما يقول مؤسس مركز جواثا.

تقارير دولية تحذر من ارتفاع أسعار الغذاء عالميا

بحسب تقرير على رويترز، فإن الحرب المرتبطة بإيران تثير مخاوف من موجة جديدة لارتفاع أسعار الغذاء عالميا، وذلك بسبب اضطراب حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 30% من تجارة الأسمدة عالميا، وإذا قلل المزارعون من استخدام الأسمدة، فقد تنخفض المحاصيل، إضافة إلى أن جزءا كبيرا من هذه الإمدادات صادر من دول الخليج التي تُعد من أبرز المنتجين والمصدرين للأسمدة والمواد المرتبطة بالغاز مثل الأمونيا واليوريا.

كما يحذّر بنك أوف أمريكا من أن الصراع يهدد ما بين 65% إلى 70% من الإمدادات العالمية لليوريا، وقد ارتفعت الأسعار بالفعل بنسبة تتراوح بين 30% إلى 40%.

وفي بريطانيا دعا مستشار الحكومة البريطانية لشؤون تكلفة المعيشة، ريتشارد ووكر، إلى دراسة فرض سقف مؤقت على أرباح شركات الطاقة والوقود ، بهدف منع ما وصفه بـ“التربّح المفرط” من ارتفاع الأسعار الناتج عن الحرب في الشرق الأوسط واضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز.

ويأتي هذا وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي استمرار الصراع إلى ارتفاع أسعار الوقود وفواتير الطاقة، بما يفاقم أزمة المعيشة في بريطانيا ويضغط على معدلات التضخم، التي يُتوقع أن تبقى عند مستويات تفوق 3% خلال العام الحالي، خلافا للتوقعات السابقة بانخفاضها نحو مستهدف بنك إنجلترا.

تغيرات أسعار الأغذية ضمن النطاق الطبيعي 

وبحسب تقرير الجمعية، سجلت بعض المنتجات ارتفاعا في الأسعار خلال الفترة الأخيرة. فقد ارتفع لحم الضأن المحلي الطازج وبعض أنواع الأرز، في المقابل شهدت بعض السلع انخفاضا محدودا، وحافظت بقية السلع الأساسية مثل الدقيق والبيض على ثبات أسعارها، وهو ما يؤكد قدرة السوق على الصمود أمام أي ضغوط خارجية.

وأشار المهلكي إلى أن ارتفاع أسعار عبوات الأرز الكبيرة قد يعكس توجه بعض المستهلكين للتخزين، فيما يرتبط ارتفاع أسعار اللحوم ببعض التأثر في الواردات وارتفاع تكاليف الشحن.

كما أكد أن الارتفاع لا يشمل كافة السوق والتغيرات المحدودة في بعض الأسعار لا يخرج عن النطاق الطبيعي للتقلبات المؤقتة، ولا يستدعي القلق أو الانسياق وراء الشائعات .ونصح المستهلكين بالاعتماد على المقارنة بين العلامات التجارية والتوجه نحو منافذ البيع التي تحافظ على استقرار الأسعار.

ويأتي هذا الاستقرار المحلي في مقابل ارتفاعات أسعار الغذاء والخدمات في بعض الدول الأخرى نتيجة زيادة تكاليف النفط وتداعيات الحرب على سلسلة الاستيراد والتوزيع.

يتوقع مكني أن السعودية في موقف مزدوج أمام الأحداث الجيوسياسية، إذ يمكن أن تتعرض سلاسل التوريد للاضطراب بما يزيد أسعار الواردات، لكن ارتفاع أسعار النفط يعزز الإنفاق الحكومي ويدعم استقرار التضخم لافتا إلى أن المؤشرات الدولية، بما في ذلك تقييم صندوق النقد الدولي وتوقعات وكالات الائتمان، تبرز قدرة الاقتصاد السعودي على الصمود واستمرار نمو الأنشطة غير النفطية، مع بقاء معدلات التضخم ضمن مستويات يمكن التحكم فيها..

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية