شهدت الأسابيع الأخيرة اندلاع حرب تجارية محتدمة بين الولايات المتحدة وكندا، وتصعيداً من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضد إيران، إلى جانب قفزة في عوائد السندات أثارت مخاوف واسعة من ارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً. ومع ذلك، استوعب الاقتصاد العالمي هذه الصدمات بثبات مفاجئ.
استقرت أسعار النفط دون 90 دولاراً للبرميل، واقتربت أسواق الأسهم من مستوياتها القياسية، وسجلت الاقتصادات المتقدمة نشاطاً تجارياً منتعشاً خلال الصيف.
وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، يقف خلف هذا المشهد الإيجابي زخم طفرة الذكاء الاصطناعي التي تقود طفرة استثمارية ضخمة في الولايات المتحدة وتدفع الصادرات في آسيا نحو مستويات قياسية. وتسهم هذه العوامل الإيجابية في دعم النمو العالمي، حتى مع استمرار إغلاق مضيق هرمز واستمرار التوترات الجيوسياسية.
وصفت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، هذا التوازن بقولها: "نعيش حرفياً حالة شد وجذب بين صدمة المعروض السلبية المقبلة من الشرق الأوسط وصدمة الطلب الإيجابية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي". وأضافت أنه مع انتشار مراكز البيانات في دول أكثر، "يصبح الذكاء الاصطناعي محرك نمو للاقتصاد العالمي".
ورغم الاضطراب الذي أحدثه إغلاق مضيق هرمز في فبراير الماضي، جاءت تداعياته أهون مما كان يخشاه المحللون. فقد لجأت الدول إلى مخزوناتها الوفيرة ونوعت مصادر إمداداتها، بينما خفضت الصين وارداتها معتمدة على احتياطاتها الضخمة.
وأوضحت ماريكي بلوم، كبيرة الاقتصاديين في بنك "آي إن جي": "شكلت احتياطيات النفط الصينية مصداً وقائياً للعالم بأسره". علاوة على ذلك، عززت كفاءة استخدام الطاقة والدعم الحكومي للأسر والإنفاق الأوروبي على الدفاع والبنية التحتية من مرونة الاقتصاد.
لكن طفرة الذكاء الاصطناعي تظل العامل الأكبر في تعويض ضغوط الطاقة.
تشير تقديرات بنك "آي إن جي" إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي تسهم بنحو ثلث النمو الاقتصادي الأمريكي الأخير، إذ يستقطب التوسع في مراكز البيانات أشباه الموصلات والإلكترونيات والكابلات والمعادن والآلات من جميع أنحاء العالم.
ظهر هذا الزخم مباشرة على آسيا خلال يوليو. حيث قفزت صادرات كوريا الجنوبية 63%، وتايوان بنسبة الثلث، والصين 25%، واليابان 22%، إلى جانب انتعاش صادرات تايلاند، ورفع سنغافورة لتوقعات نموها السنوي إلى 5.5% بدلاً من 4%.
لكن وسط هذه المكاسب، يتساءل خبراء الاقتصاد عن استدامة هذا المحرك وما إذا كان العالم يعيش مرحلة مؤقتة.
من جانبها، أبدت جورجيفا حذراً إزاء مخاطر الاستقرار المالي واحتمالية نشوء فقاعة سعرية في أسهم شركات التكنولوجيا وزيادة استدانتها، محذرة صانعي السياسات من الإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي محركا وحيدا، خصوصا في ظل اعتماد اقتصادات آسيوية كبرى على التصدير بدلاً من الاستهلاك المحلي.
واختتم ماكس زينجلين، كبير اقتصاديي آسيا والمحيط الهادئ في "كونفرنس بورد" للأبحاث الاقتصادية، بالتحذير من ضيق قاعدة النمو: "أصبح النمو يتركز في نطاق أضيق بكثير، وبعد فترة من النمو المتسارع في الطلب على الذكاء الاصطناعي، نقترب من نقطة سنشهد عندها تباطؤاً على أقل تقدير".

