الأربعاء, 23 سبتمبر 2026|10 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

في وقت كانت معظم دول الشرق الأوسط تحت وطأة الانتداب والوصاية الأجنبية، كانت الجزيرة العربية على موعد مع حدث سياسي غير مسبوق في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1932، حين أعلن الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود توحيد البلاد وتغيير اسمها من مملكة الحجاز ونجد ومحلقاتها إلى المملكة العربية السعودية.

دشن ذلك الحدث أول يوم وطني للبلاد، قبل أن يتحول رسميا إلى يوم وطني ثابت في عهد الملك فيصل عام 1965، ثم إعلانه إجازة رسمية في عهد الملك عبد الله عام 2005، ووصولًا إلى الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث تحول اليوم الوطني إلى مناسبة لإحياء فخر الماضي ومنصة لرؤية تنموية سعودية.

واشنطن.. دهشة وانبهار

في ردهات البيت الأبيض، كان ملف الجزيرة العربية هو الأكثر حضورا في أول يوم وطني سعودي. ورغم عدم وجود تمثيل دبلوماسي أمريكي دائم في السعودية آنذاك، فإن التقارير التي وردت، بحسب ما كشف عنه الأرشيف الغربي، استقبلت هذا الحدث السياسي بمزيج من الدهشة والانبهار.

انعكس ذلك على الأوصاف التي أطلقوها على الملك المؤسس، إذ اعتبروه رجلا لم يغير خريطة الجغرافيا وحسب، بل أسس لقوة إستراتيجية ناشئة سيكون لها القول الفصل في مستقبل الطاقة والسياسة الدولية.

صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكيّة تولت التعبير عن رد فعل الإدارة الأمريكية، واصفة الملك عبدالعزيز بأنه "رجل الصحراء القوي"، ومشيدة بالقائد الفذ، الذي نجح عبر 3 عقود من الكفاح الملحمي في تطويع جغرافيا شائعة ومترامية الأطراف وقهر كل التحديات القبلية والإقليمية، ليصنع دولة موحدة.

اقرأ أيضا: في اليوم الوطني.. القطاع الخاص يتولّى زمام تنويع الاقتصاد السعودي | صحيفة الاقتصادية

"ألقاب الملك عبدالعزيز".. شواهد تاريخية في مسيرة توحيد الوطن : "واس"
اليوم الوطني 4

"واقع جديد" في لندن

تابعت لندن ما يدور في الجزيرة العربية، ليس من موقع المتفرج، بل الشريك، باعتبارها هي من كانت تدير شؤون المنطقة وقتها وهي من تبسط حمايتها على دول عربية كثيرة.

لذلك، كان القلق والترقب داخل مكاتب وزارة الخارجية وجهاز مخابراتها هو السائد. لكن هذا لم يمنعها من إصدار بعض الانطباعات عبر صحيفة "التايمز"، التي أفردت في 23 سبتمبر 1932 تقارير عبّرت عن وجهة النظر البريطانية وصفت ما حدث بأنه "اعتراف دولي بواقع جديد فرضه حاكم نجد والحجاز بقوة الإرادة".

يكشف الأرشيف عن تسريبات لمسؤولين بريطانيين اعتبروا توحيد المملكة "خطوة إستراتيجية ذكية، أغلقت الباب أمام أي محاولات مستقبلية لفرض الانتداب أو الهيمنة الأجنبية".

كذلك، جاءت التعليقات على الملك عبدالعزيز بأنه من نجح في صياغة استقلال بلاده، دون الحاجة لشروط عالمية، وأن الاحتفالات باليوم الوطني رسالة حيّة بأن الخريطة الجديدة كتبت بأقلام سعودية خالصة.

اقرأ أيضا: الرياض تفتح الباب لفرص بمليارات الدولارات في المدن الذكية | صحيفة الاقتصادية

"ألقاب الملك عبدالعزيز".. شواهد تاريخية في مسيرة توحيد الوطن : "واس"
اليوم الوطني 2

موسكو

ظل الاتحاد السوفيتي قبل أن يتفكك ينظر إلى جميع الحركات العالمية من منظور أيدلوجي وسياسي. لذلك، ما إن احتفل السعوديون بأول يوم وطني لهم حتى بدأت التقارير تتوالى عن ما يحدث في الجزيرة العربية وعن شخصية الملك عبدالعزيز.

منذ اللحظة الأولى، استقبلت موسكو هذا الحدث بحفاوة مختلفة، إذ رأت فيه كسر الهيمنة الاستعمارية في الشرق الأوسط وحدثًا ثوريًا بمقاييس السياسية الدولية آنذاك.

يكشف الأرشيف الروسي عن أن التقارير التي رُفعت إلى الكرملين، وسجلات وزارة الخارجية السوفيتية، وصفت توحيد السعودية بأنه "تحرك حقيقي لحركات التحرر الوطني في الشرط الأوسط، دون السقوط في فخ الأحلاف العسكرية أو القروض المالية التي كانت تكبل بقية الدول".

ترجمت تلك التقارير في اعتراف السوفييت السريع بالدولة الجديدة والتعامل معها كقوة سيادية حرة غيرت موازين القوى الإقليمية بقرارها المستقل.

اقرأ أيضا: خصومات 90% في عروض اليوم الوطني.. هل ينخفض السعر فعلا؟ | صحيفة الاقتصادية

"ألقاب الملك عبدالعزيز".. شواهد تاريخية في مسيرة توحيد الوطن : "واس"
اليوم الوطني 2 3

في باريس.. إقرار بأمر واقع واعتراف رسمي بدولة

استطاعت فرنسا أن تبسط نفوذها الاستعماري على بلاد الشام في ثلاثينات القرن الماضي. لكن أثناء ذلك، فوجئت بتحرك في الجزيرة العربية، خلط جميع الأوراق الدبلوماسية والعسكرية، وبات على باريس ترتيبها من جديد.

التقارير السرية الفرنسية عن احتفال السعودية بعيدها الوطني الأول كشفت عن الارتباك في عاصمة النور.

لكن البرقيّة العاجلة التي أرسلها "كي دورسيه"، قنصل فرنسا في جدة، أدت إلى تغيير الصورة تمامًا، إذ كشف الأخير عن أن الملك المؤسس أو "اللاعب الإستراتيجي الجديد" غير خاضع لأي نفوذ غربي وهذا شجع فرنسا أن تكون في مقدمة القوى الدولية التي سارعت للاعتراف الكامل بالسعودية.

وفي خطوة أظهرت حجم الاهتمام، استقبلت باريس في نفس العام الملك فيصل بن عبدالعزيز وكان أميرًا ووزير الخارجية آنذاك كأول مبعوث سعودي رفيع المستوى.

كما وصفت الصحافة الفرنسية الزيارة بأنها إقرار بالأمر الواقع واعتراف رسمي بدولة حرة استسطاعت انتزاع سيادتها المطلقة بالكامل دون الحاجة لصكوك الحماية الفرنسية أو البريطانية.

بعيدًا عن ما كان يحدث في أروقة مقار الحكم في القوى العظمى وتقاريرهم السرية التي بنوا عليها مواقفهم، كان السعوديين يعيشون واقعا آخر وفرحة تاريخية استثنائية وعفوية، إذ لم يكن مسمى اليوم الوطني قد ظهر بعد ولا تم اتخاذه عيدًا وطنيًا أو إجازة رسمية.

لذلك، جاءت الاحتفالات حيّة، وشهد قصر أبو حجارة في الطائف توافد حشد من الأجداد من مختلف القبائل والمدن يجمعهم شعور بالفخر والانتماء تحت راية التوحيد الخضراء ونهاية عقود من الشتات والنزاع.

كما اكتست الساحات آنذاك بالكراسي وقرع الطبول وإلقاء الخطب الحماسية والقصائد الشعرية من خلال مكبرات الصوت إلى جانب إقامة مآدب كبرى وعروض فروسية تقليدية، ليرسم الأجداد بوعيهم الفطرى أولى لوحات الفرح الوطني المستقل، وهو ما انتقل إلى أحفادهم الذين يحتفلون بالعيد الـ94 لكن بشكل مختلف، إذ لم تعد السعودية تلك الدولة الناشئة التي تترقب عواصم العالم خطواتها الأولى بل قوة إستراتيجية عظمى تقود قطار المستقبل برؤية طموحة محققة شعارها الوطني "عزّنا بطبعنا".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية