لم يعد قطاع منتجات الحلال مجرد سوق تقليدية قائمة على تلبية احتياجات المستهلكين في الدول الإسلامية، بل تحوّل إلى صناعة عالمية متكاملة تُدار وفق معايير دقيقة تقوم على الجودة والحوكمة والشفافية، وتستند إلى منظومة تشريعية ورقابية حديثة، في وقت تتجاوز فيه قيمة السوق العالمية للمنتجات الحلال 7 تريليونات ريال.
هذا التحول النوعي أكده وزير التجارة الدكتور ماجد القصبي خلال كلمته في النسخة الثالثة من منتدى مكة للحلال، الذي أُقيم تحت شعار «الحلال صناعة احترافية»، وسط حضور دولي واسع ومشاركة فاعلة من جهات حكومية واستثمارية وشركات متخصصة من مختلف دول العالم.
تحول استراتيجي في صناعة الحلال
أوضح القصبي أن صناعة الحلال تشهد نقلة جوهرية، إذ انتقلت من كونها سوقًا بسيطة إلى صناعة احترافية متكاملة، تُدار بالمعايير والمواصفات العالمية، وتُبنى على أسس الجودة والحوكمة والشفافية. وأشار إلى أن الحلال أصبح اليوم رمزًا للثقة والسلامة والجودة، وعنصرًا رئيسيًا في سلاسل الإمداد العالمية.
وبيّن أن السعودية تبنّت نهجًا استراتيجيًا لترسيخ مكانتها كمركز عالمي لصناعة الحلال، عبر منظومة متكاملة تشمل تطوير التشريعات، وتعزيز الرقابة، وتمكين القطاع الخاص، وتحفيز الابتكار، بما يعزز موثوقية المنتجات والخدمات الحلال السعودية ويزيد من قدرتها التنافسية عالميًا.
وأضاف أن "النسخة الحالية من المنتدى تعكس التحول الرقمي في قطاع الحلال، من خلال توظيف التقنية لتعزيز الشفافية، وتيسير الإجراءات، وتمكين رواد الأعمال، ودعم الامتثال للمعايير"، مؤكدًا أن المنتدى بات مرجعًا دوليًا لصناعة الحلال ومستقبلها.
أكثر من 20 اتفاقية وشراكات دولية واسعة
من جهته، قال لـ"الاقتصادية" الأمين العام للغرفة الإسلامية للتجارة والتنمية يوسف خلاوي، "إن المنتدى اختُتم بتوقيع أكثر من 15 اتفاقية، من بينها أربع اتفاقيات سعودية، بمشاركة 170 عارضًا من أكثر من 15 دولة، في مؤشر واضح على تنامي الاهتمام الدولي بسوق الحلال السعودية".
كما أكد محمد عاطف حنيف، الرئيس التنفيذي لبنك البركة في باكستان، أن قطاع المنتجات الحلال يشهد نموًا متسارعًا على مستوى العالم، سواء في الدول الإسلامية أو غير الإسلامية، مشيرًا إلى أن المملكة تتصدر بناء منظومة متكاملة للمنتجات الحلال، إلى جانب دول مثل باكستان وماليزيا وإندونيسيا، في ظل سوق يُقدّر حجمها بأكثر من 7 تريليونات ريال.
وقال لـ"الاقتصادية": "إن انضمام السعودية إلى منصة رقمية تضم 13 دولة لتبادل الفرص والمشاريع في قطاع الحلال، سيعزز تدفق الاستثمارات ويفتح آفاقًا أوسع للتكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء".
بوابة استراتيجية للسوق السعودية
شهد المنتدى مشاركة واسعة من شركات دولية ترى في السوق السعودية فرصة استراتيجية للنمو. ففي قطاع التمور، أكد محمد حسين، المدير المالي لشركة «البيداء» الفلسطينية، أن مشاركتهم الأولى في المنتدى تمثل خطوة نحو دخول السوق السعودية، التي وصفها بأنها الأكبر في المنطقة والأعلى من حيث معايير الجودة، مشيرًا إلى أن الشركة تُصدر حاليًا إلى الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا وعدد من الدول العربية، وتسعى للتوسع داخل المملكة.
ومن أوزبكستان، أشار ممثلو غرفة التجارة إلى تنامي فرص الشراكة مع الجانب السعودي، مع مشاركة أكثر من عشر شركات أوزبكستانية في المعرض، تستهدف دخول السوق السعودية في مجالات الأغذية والتجميل والمنسوجات. وأوضح علي لطيف، المتخصص في قطاع المنسوجات، أن دخولهم صناعة الحلال جاء التزامًا بالمعايير الإسلامية، مؤكدًا أن المملكة تمثل سوقًا محورية للتوسع التجاري.
ولفت إلى أن الطلب على منتجاتهم لا يقتصر على المسلمين فقط، بل يمتد إلى غير المسلمين، مع تسجيل طلبات مرتفعة من إيطاليا، وأكثر من 10 آلاف عميل في الولايات المتحدة الأمريكية، ما يعكس القبول العالمي المتزايد لصناعة الحلال.
الحلال .. منتج عالمي يتجاوز البعد الديني
في قطاع الأغذية العضوية، وصف يمان عساني من أذربيجان منتدى مكة للحلال بأنه "بوابة استراتيجية" لدخول السوق السعودية، مشيرًا إلى أن شركته قررت التوسع في المملكة لما تتمتع به من قوة شرائية ومعايير عالية، خصوصًا في المنتجات المرتبطة بنمط الحياة الصحي.
أما في قطاع التجميل، فأكدت بولا من نيجيريا أن صناعة الحلال لم تعد مرتبطة بدين أو عرق معين، بل أصبحت منظومة عالمية قائمة على القيم الأخلاقية ومعايير السلامة، موضحة أن دخولها السوق عبر بوابة الحلال جاء انطلاقًا من قناعتها بأهمية تقديم منتجات تتوافق مع المعايير الإسلامية الرفيعة وتخاطب مختلف الفئات.
صناعة تتجاوز الغذاء إلى الاقتصاد المتكامل
يعكس الزخم الذي شهده المنتدى أن قطاع الحلال لم يعد مقتصرًا على المنتجات الغذائية، بل امتد ليشمل قطاعات متعددة مثل التجميل، والمنسوجات، والمنتجات العضوية، والخدمات المالية، في إطار منظومة اقتصادية متكاملة تتقاطع مع مفاهيم الاستدامة والابتكار والتحول الرقمي.
ومع توقيع أكثر من 20 اتفاقية وشراكة دولية، يتضح أن صناعة الحلال تدخل مرحلة جديدة من الاحترافية والتكامل، مدفوعة برؤية استراتيجية تجعل من المملكة مركزًا عالميًا لهذه الصناعة، في سوق تتجاوز قيمتها 7 تريليونات ريال، وتزداد فيها فرص الاستثمار والنمو عامًا بعد عام.

