الأربعاء, 28 أكتوبر 2026|16 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تعيش سوق السيارات الصينية موسماً قاسياً غير مسبوق، إذ كشفت البيانات الأخيرة عن تراجع مشتريات المستهلكين بنحو 22% حتى سبتمبر مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

وتشير تقديرات رابطة صناعة السيارات الصينية إلى أن مبيعات العام بأكمله قد تتوقف عند 18.5 مليون سيارة فقط، مسجلةً أسوأ أداء للقطاع منذ عام 2014.

ومع أن السوق تضم 143 علامة تجارية للسيارات الكهربائية، وكان يتوقع أن تفرض السوق تصحيحاً حتمياً وغربلة للشركات الضعيفة تلقائيا لضمان استدامة الصناعة، إلا أن التصفية لم تحدث، بحسب ماري بارا، الرئيسة التنفيذية لشركة "جنرال موتورز"، خلال مكالمة مع محللين في "وول ستريت" في يوليو الماضي.

وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال"، يعود جذر الأزمة إلى التحالف الوثيق بين الحكومات المحلية والقطاع الخاص. فعندما تحولت السيارات الكهربائية إلى أولوية وطنية استراتيجية، ضخت المدن الصينية مليارات الدولارات لدعم الشركات المحلية طمعاً في التحول إلى "ديترويت العصر الكهربائي". واليوم، مع انكماش عدد السكان وتطور شبكات النقل العام ومركبات الأجرة الآلية، لم يعد متوقعا أن تسجل مبيعات سيارات الركاب طفرات مستدامة مجدداً. ومع ذلك، تتردد السلطات المحلية في التراجع عن خططها التوسعية خشية إغلاق المصانع وخسارة الوظائف والإيرادات الضريبية الحيوية.

تتجسد هذه الفجوة الصادمة بين الطموح والواقع في حالة شركة "سكاي وورث أوتو"، ففي صالة عرضها تتصدر الواجهة مقاطع فيديو تروي قصة مؤسسها الذي نام في المصنع لإطلاقه على طريقة إيلون ماسك، وتنتشر خرائط تتباهى بالوجود في 45 دولة بجانب أحدث طرازاتها الرياضية. لكن الواقع الميداني يصدم المتابعين، فبينما أعلنت الشركة عام 2021 أن مصنعها قادر على إنتاج 100 ألف سيارة سنوياً، لم تتجاوز مبيعاتها الفعلية داخل الصين 660 سيارة حتى سبتمبر من هذا العام، حيث تقف صالاتها في مدن كبرى خالية تماماً من الموظفين والزبائن، بينما تواصل الحكومة المحلية لحيازتها حصة 5% تقديم الدعم المالي لتفادي إعلان إفلاسها.

ولفهم جذور هذا التشوه الهيكلي، تجدر الإشارة إلى تجربة إنقاذ شركة "نيو" في 2020، حين ضخت مدينة خفي نحو 700 مليون دولار لإنقاذها وتحويلها إلى ركيزة صناعية.

أدى هذا النجاح إلى موجة من الصفقات المماثلة بين شركات تصنيع السيارات الكهربائية الصينية المتعثرة والحكومات المحلية، ما عزز الروابط الإقليمية بين القطاعين الخاص والعام، وفقًا لدراسة حديثة أجراها فينج مينج لو من الجامعة الوطنية الأسترالية في كانبرا وشياو ما من جامعة بكين في بكين.

 وتكرر المشهد مع "شاومي" التي أقامت مصنع سياراتها خلال ثلاث سنوات فقط، ما دفع وتيرة الابتكار التكنولوجي وسباق الشحن السريع للبطاريات بقيادة "كاتل" و"بي واي دي".

لكن المشكلة الراهنة تكمن في توقف نمو الطلب الداخلي مقابل تضخم الطاقة الإنتاجية لتصل إلى 63 مليون سيارة سنوياً، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف استيعاب السوق المحلية. ونتيجة لذلك، اشتعلت حرب أسعار طاحنة خفضت الأسعار بنحو 20% منذ بداية 2023، لتهبط هوامش ربح القطاع إلى قاع سحيق عند 3.6%. ولم يعد أمام المصنعين سوى خيارين: تقليص الأسعار محلياً أو التصدير المكثف، حيث تتجه الصين لتصدير 12 مليون سيارة هذا العام، متجاوزة اليابان. وتحول الفائض التجاري الضخم الذي كانت تتمتع به ألمانيا في قطاع السيارات مع الصين إلى عجز.

هذا المأزق لم يعد شأناً صينياً داخلياً؛ فمع تشبع السوق المحلية، اندفعت الشركات الصينية نحو الأسواق العالمية بمنتجات فائقة التنافسية مدعومة بهياكل تكلفة منخفضة للغاية. واقتنصت أكبر خمس شركات صينية 11.7% من مبيعات السوق الأوروبية في سبتمبر الماضي، ما أحدث زلزالاً لدى عمالقة صناعة السيارات التقليديين؛ حيث أطلقت "فولكسفاجن" برنامج إعادة هيكلة ضخماً يستهدف تقليص نحو 50 ألف وظيفة، وتستعد "بي إم دبليو" لخفض 8 آلاف موظف بعد تحذيرات بشأن أرباحها في الصين، بينما تتكبد "ستيلانتس" خسائر في أوروبا، في حين تظل الولايات المتحدة السوق الكبرى الوحيدة التي تصدت لهذا الطوفان بالرسوم الجمركية المشددة.

في المقابل، تبدو بكين عاجزة عن ضبط الفوضى بسبب تضارب المصالح بين التخطيط المركزي وأولويات الحكومات الإقليمية المتمسكة بمصانعها للحفاظ على التوظيف.

ويرى فينج مينج لو، الباحث في الجامعة الوطنية الأسترالية، أن الصين نجحت في معالجة مشكلة الطاقة الإنتاجية الفائضة في قطاعي الصلب والألمنيوم خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لكن قطاع السيارات يمثل تحدياً أعقد؛ إذ أوضح قائلاً: "توظف مصانع السيارات أعداداً كبيرة من العمال، كما أنها تشكل جزءاً جوهرياً ومتجذراً في الاقتصادات المحلية".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية