على مدى العقود التي تلت انضمام الصين إلى الاقتصاد العالمي، اعتاد الرؤساء الأمريكيون التوجه إلى بكين بقائمة مطالب متوقعة وثابتة: وقف سرقة الملكية الفكرية، ومنع النقل القسري للتكنولوجيا، وفتح الأسواق. ورغم أن دونالد ترمب اتبع السيناريو ذاته في زياراته السابقة، فإن تكرار هذه المطالب اليوم بات عديم الجدوى، كونها تعكس نظرة قاصرة ومتأخرة للسياسة الصناعية الصينية الحالية.
لقد ارتقى الزعيم الصيني شي جين بينج بالسياسة الصناعية، والدعم الحكومي للقطاعات المفضلة، إلى مستوى غير مسبوق عالمياً. وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، هي تستهدف الآن كل صناعة ومنطقة، وتشمل العرض والطلب، والخدمات والسلع، بدءاً من التكنولوجيا المعقدة وصولاً إلى المنتجات التقليدية، مدفوعة بأهداف اقتصادية وتكنولوجية وإستراتيجية.
إستراتيجية "الأولوية للجميع"
في ظل هذا المشهد، لا حلول واضحة ظاهرة. ورغم التقارير التي تشير إلى تأمين ترمب اتفاقيات تشتري بموجبها الصين الصويا والطائرات والمنشآت النفطية الأمريكية، وتمنع بيع المعدات العسكرية لإيران، إلا أن ذلك لن يمنع التمدد الصيني من ابتلاع مزيد من الحصص السوقية العالمية.
وفي تقرير حديث ومثير للقلق أصدرته مجموعة "روديوم" للأبحاث لمصلحة غرفة التجارة الأمريكية، جرى تحديد الملامح الرئيسية لما أسمته بـ"السياسة الصناعية الصينية لكل شيء".
ورغم أن منتجات صينية عديدة باتت تضاهي أو تتفوق على منافسيها الغربيين في الجودة والسعر دون مساعدة حكومية، فإن بكين لم تقلص دعمها، بل واصلت توسيعه، حيث رفعت خطتها الخمسية الأخيرة عدد القطاعات ذات الأولوية من 19 قطاعاً إلى 24، مضافةً إليها مجالات فائقة الدقة مثل "واجهات الدماغ والحاسوب" و"طاقة الاندماج النووي".
ولم يقتصر الطموح الصيني على المنتجات البراقة مثل الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية، بل امتد ليشمل الصناعات التقليدية والناضجة. فالخطة المحدثة لـ"صنع في الصين" أضافت قطاعات مثل الأجهزة المنزلية والمنسوجات. وتعد الكيماويات مثالاً بارزا، إذ قفزت الصادرات العالمية من مادة "رباعي كلورو إيثيلين" الصينية المستخدمة في التنظيف الجاف بمقدار 25 ضعفاً منذ 2019.
الهيمنة وتقويض الضغوط الخارجية
تظهر بيانات "روديوم" أنه بمجرد وصول الشركات الصينية إلى التكافؤ التكنولوجي مع منافسيها، فإنها تستحوذ على الحصص السوقية بسرعة فائقة. ففي 2016، كانت الصين تسيطر على أكثر من 50% من أحجام الصادرات في 163 صناعة عالمية، وبحلول 2024، قفز هذا الرقم ليصل إلى 315 صناعة.
علاوة على ذلك، أصبحت عقيدة الأمن القومي جزءاً لا يتجزأ من سياسة شي الصناعية، فالقضاء على الواردات يقلل من حساسية الصين تجاه الضغوط الخارجية، بينما تؤدي زيادة حصتها التصديرية إلى جعل الآخرين أكثر عرضة للضغوط الصينية عبر استهداف منتجات "نقاط الاختناق" الحيوية لسلاسل الإمداد الكبرى، مثل الآلات والكيماويات العضوية، وهو ما يمنح بكين القدرة على إغلاق خطوط إنتاج عالمية كاملة حال حدوث نزاع.
ورغم أن الرسوم الجمركية الأمريكية نجحت في خفض العجز التجاري المباشر مع بكين، فإن الصين أعادت توجيه صادراتها إلى أسواق أخرى. ونظراً لتغلغل المكونات الصينية في سلاسل الإمداد العالمية، فإن القيمة الفعلية للمحتوى الصيني الذي يدخل الولايات المتحدة تظل ثابتة عبر دول وسيطة. وبما أن السيارات الكهربائية الصينية المعتمدة على برمجياتها والذكاء الاصطناعي الخاص بها تكتسح الأسواق العالمية، فإنها تهدد بإزاحة المعايير الأمريكية وإحلال المعايير الصينية بدلاً منها كمعيار عالمي.
المراهنة على السقوط الذاتي
تكمن نقطة ضعف السياسة الصناعية الصينية في تكاليفها الباهظة وحجم الهدر فيها. فالصين تعاني عجزاً في الميزانية مقارنة بالناتج الاقتصادي يفوق مثيله في الولايات المتحدة، فضلاً عن أزمات الديون، والانكماش، والشيخوخة الديموغرافية. ويراهن نقاد في الغرب على أن هذه السياسة ستنفجر في النهاية من الداخل تحت وطأة تناقضاتها. لكن لا ضمانات تبرر حدوث ذلك عما قريب، فالصين قادرة على الاستمرار في هذا النهج لفترة قد تفوق قدرة منافسيها الأجانب على البقاء في السوق.

