أثارت مساعي وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، للضغط على عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل بتكثيف عمليات إعادة الشراء الموجهة وتوجيه انتقادات علنية لآليات السوق، ردود فعل حادة من أحد أبرز موجهيه السابقين في وول ستريت، كما وضعت رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفين وارش، أمام مأزق تنظيمي معقد.
وجه الملياردير ستانلي دروكنميلر، مؤسس مكتب "دوكين فاميلي أوفيس" والذي عمل بيسنت تحت إشرافه في شركة "سوروس" لإدارة الصناديق خلال التسعينيات، انتقادات لاذعة في مقال رأي نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، انتقد فيه محاولات تلميذه السابق لكبح العوائد ومحاولة فرض انضباط مصطنع على أكبر سوق سندات في العالم.
كتب دروكنميلر: "دعوا سوق السندات تتحدث؛ فعائد سندات الخزانة طويلة الأجل هو أهم سعر في العالم، وهو أداة الانضباط المالي الوحيدة المتبقية في الولايات المتحدة. الحكومات التي تحاول الدفاع عن الأسعار ضد العوامل الاقتصادية الأساسية تخسر دائما".
جاءت تحذيرات دروكنميلر في أعقاب إعلان بيسنت مضاعفة برنامج إعادة شراء سندات الخزانة إلى 4 مليارات دولار، تزامناً مع ملامسة عوائد السندات طويلة الأجل أعلى مستوياتها منذ عام 2007 واقتراب عائد السندات لأجل 10 سنوات من حاجز 5%، وهو المستوى الذي تعده الأسواق أساسا لخطط الحكومة التمويلية.
تتزامن هذه الإجراءات مع وصول الدين العام الأمريكي إلى مستوى تاريخي غير مسبوق بتجاوزه 40 تريليون دولار بعد أن تضاعف في أقل من عقد، إضافة إلى تسجيل عوائد السندات لأجل 30 عاماً أعلى مستوياتها منذ عام 2001. كما تواجه الحكومة عجزاً سنوياً متواصلاً يتوقع أن يتخطى تريليوني دولار هذا العام، أي نحو 6% من الناتج المحلي، مع توقعات ببلوغه 2.1 تريليون دولار العام المقبل.
وبحسب مجلة "بارونز"، تضع تدخلات وزارة الخزانة رئيس الفيدرالي كيفين وارش في موقف حرج قبيل مشاركته في ندوة "جاكسون هول" السنوية، إذ طالما أكد وارش أن السياسة النقدية تحقق أفضل نتائجها حين تعتمد على استقراء إشارات الاقتصاد الحقيقي بدلاً من التوجيه الإرشادي لمسؤولي البنك المركزي.
لكن رغبة بيسنت الصريحة في خفض العوائد، تعقد مهمة وارش. فاستمراره في ترك السوق تحدد مسار الفيدرالي سيجعله يتعامل مع مؤشرات يشوهها تدخل الخزانة، فيما قد يفسر تقديمه توجيهات مفصلة لأسعار الفائدة على أنه رضوخ لضغوط الحكومة وتغيير لمواقفه، ما يهدد استقلالية البنك المركزي التي تعرضت لضغوط أصلا بعد مؤتمره الصحفي الأخير في يوليو.
وأشار دروكنميلر إلى أن سوق السندات عملت بكفاءة رغم تراكم الديون وتسارع التضخم، ومكنت الدولة من تمويل نفسها بمعدل يوازي نمو الاقتصاد، معتبراً السوق لم تكن متشددة بل ميسرة، قائلا: "كل نقطة أساس تنخفض بسبب التدخل في العائد تعد بمنزلة مكافأة لحث الحكومة على المماطلة وتأجيل معالجة الديون والعجز".
ورغم تراجع العوائد طويلة الأجل بصورة طفيفة يوم الثلاثاء، حيث استقر عائد الـ 30 عاماً عند 5.212% والـ 10 سنوات عند 4.681%، فإن التحركات تزامنت أساساً مع هبوط أسعار النفط العالمية بأكثر من 6%. في المقابل، ارتفعت عوائد السندات قصيرة الأجل لأجل عامين نحو 8 نقاط أساس نتيجة تسعير الأسواق لزيادة إصدارات أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل خطة إعادة شراء السندات الطويلة، في استراتيجية "التويست" التي تبناها بيسنت.
لكن هذا التدخل يقلق دراكنميلر، الذي يرى فيه سحباً لمخاطر أسعار الفائدة طويلة الأجل من أيدي المستثمرين، وفرضاً لـ"جرعة صغيرة من التيسير الكمي" من جانب وزارة الخزانة بدلاً من الاحتياطي الفيدرالي قبل شهرين فقط من انتخابات التجديد النصفي.
واختتم دروكنميلر بالتأكيد على أن الحل الوحيد والحقيقي يكمن في خفض العجز المالي، وهو إجراء له تداعيات قوية سياسياً ويتجاوز صلاحيات وزير الخزانة بمفرده.

