بقلم محمود سليماني، المدير التنفيذي لسيمنس للطاقة في السعودية
تواجه جميع الاقتصادات قدراً من عدم اليقين، لكن المرونة الاقتصادية هي ما تُبقيها متماسكة وجاهزة لمواجهة التحديات. وفي حالة المملكة العربية السعودية — التي تخوض تحولاً اقتصادياً سريعاً في ظل تقلبات جيوسياسية وصدمات في سلاسل الإمداد العالمية — يجب أن تكون هذه المرونة جزءاً أساسياً من بنية اقتصادنا.
وإذا تحدثنا عن المملكة تحديدًا، فإنّ العامل الرئيسي لتعزيز المرونة الاقتصادية يكمن في استراتيجية التوطين. فالتوطين ليس مجرد سياسة صناعية، بل هو خارطة طريق عملية ومتكاملة لتعزيز مرونتنا في التعامل مع التقلبات الاقتصادية على المستوى الكلي. فمن خلال زيادة الإنتاج المحلي، وتنمية مهارات الكوادر السعودية ودعم قدرات الموردين المحليين، وبناء سلاسل القيمة في المملكة، سنتمكن من تقليل الآثار السلبية للمخاطر الخارجية، فضلًا عن توفير فرص عمل مستدامة، وتعزيز قواعدنا الصناعية والاقتصادية، وهو ما يمثل حجر الزاوية للأمن الوطني على المدى الطويل.
لقد حققت المملكة تقدماً ملحوظاً في تحويل هذه الرؤية إلى واقع. فبرنامج "اكتفاء" التابع لأرامكو السعودية، الذي انطلق قبل نحو عشر سنوات، غيّر أنماط المشتريات، وتطوير المهارات، وقدرات التصنيع داخل البلاد ممن خلال نقل المعرفة والتكنولوجيا العالمية للسعودية. ووفقاً لتقارير عام 2024، بلغ المحتوى المحلي في مشتريات أرامكو 67%. ومنذ تأسيسه عام 2015، ساهم برنامج اكتفاء بأكثر من 240 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، وساهم في إنشاء 350 منشأة تصنيع محلية. هذه الإنجازات هي نتائج ملموسة لدفع المملكة نحو التوطين.
ولكن ما أهمية ذلك بالنسبة للمرونة الاقتصادية؟ إن الاعتماد على سلاسل الإمداد المحلية يقلل مخاطر تأخر الواردات القادمة من الخارج نظرًا لارتباطها مباشرة بتحديات النقل أو القيود المفروضة على التصدير أو تغيرات الأنظمة الخارجية. من ناحية أخرى، تعزز عمليات التوريد المحلية قدرات الكوادر السعودية وتمكّنهم من دعم القطاع الصناعي بدلاً من الاعتماد على مقاولين أجانب قد يعرضون القطاعات الاقتصادية في البلاد لمخاطر لوجستية أو تأخر في تقديم الخدمات.
ويمكننا أن نرى هذه المبادئ مطبقة فعلياً من خلال "مجمع سيمنس للطاقة في الدمام" (SEDH) — وهو نموذج حي لكيفية تعزيز التوطين وزيادة قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود في مواجهة التحديات داخليًا وخارجيًا. يجمع هذا المجمع بين التصنيع والخدمات والتقنيات المتقدمة تحت سقف واحد، ما يخلق سلسلة قيمة متكاملة لقطاع الطاقة داخل المملكة.
لقد شهد مجمع سيمنس للطاقة بالدمام توسعات استراتيجية في السنوات الماضية، حيث انتقل من تصنيع وصيانة التوربينات الغازية إلى تجميع وحدات ضواغط الهواء، وتقديم حلول التحول الرقمي، ومؤخرًا أضيف لذلك تصنيع التوربينات الغازية المتطورة من طراز HL، فضلًا عن إضافة خطوط إنتاج المفاتيح الكهربائية المعزولة بالغاز (GIS). تأتي هذه التوسعات في إطار خطة طويلة الأجل لتوطين المزيد من سلاسل القيمة لقطاع الطاقة المحلي. إنّ تصنيع المنتجات وتقديم الخدمات المتنوعة محليًا يتيح لسيمنس للطاقة تقليص أوقات تسليم الطلبيات، وتقليل مخاطر النقل، بالإضافة لسرعة تنفيذ المشروعات، ونقل الخبرات والمهارات للكوادر السعودية التي تتوسع يومًا بعد يوم. ولذلك يعمل كل توسع في المجمع على إضافة حلول تكنولوجية جديدة، ورفع قدرة المملكة على تلبية احتياجات السوق والتعامل بسرعة وكفاءة مع التحديات غير المتوقعة.
وبالطبع لا تتم هذه التطورات وخطط التوسع بمعزل عن الخطط الاستراتيجية بعيدة المدى للمملكة في إطار رؤية 2030، والتي جعلت من التوطين وتنويع القاعدة الصناعية محوراً رئيسياً لبناء المرونة الاقتصادية طويلة الأجل.
عندما توسعت سيمنس للطاقة في منشآتها التصنيعية والخدمية داخل المملكة، لم تخلق وظائف فقط — بل وطّنت المعرفة الخاصة بتوربينات الغاز، وقلّلت الاعتماد على مراكز الخدمة الخارجية للمعدات بنقل الخبرات التكنولوجية المتقدمة في مجال تصنيع التوربينات الغازية للكوادر السعودية. ليس هذا فحسب، بل قدمت سيمنس للطاقة خدمات صيانة احترافية وقطع غيار معتمدة بصورة أسرع وتكلفة أقل لكبرى شركات المرافق السعودية. إنّ هذه التطورات التشغيلية المتسارعة تقدم سلسلة من المزايا التي يحصل للعملاء منها: تقليل مخاطر توقف الخدمات/التشغيل، وخفض التكاليف، وتعزيز ثقة المستثمرين، وكلها عناصر تخلق اقتصادًا أكثر مرونة، وقادر على استيعاب وخدمة مشاريع ضخمة طويلة الأجل والكثيفة لرأس المال.
وخلال مناقشات الاستثمار والاستراتيجية التي ستقام بالرياض هذا الأسبوع على هامش مؤتمر "Future Investment Initiative"، يجدر بنا أن نُقدّر حجم التقدم المحقق، والجهود المطلوبة للمضي قدماً. فقد بنت المملكة — من خلال برامج مثل "اكتفاء" و"نساند" و"بناء" والتزامات "رؤية 2030"، واستثمارات القطاع الخاص مثل مجمع سيمنس للطاقة في الدمام — أساساً ملموساً لاقتصاد أكثر صموداً. والتحدي الآن هو تسريع الانتقال من مرحلة "الأساس" إلى مرحلة "التحصين": و ذلك من خلال التصنيع عالي القيمة، ومضاعفة جهود تنمية المهارات، وتطوير أنظمة المشتريات القائمة على قدرات التوريد المحلية باعتبارها عنصراً من عناصر السيادة الوطنية.
إنّ التوطين ليس غاية في حد ذاته، ولكنه صورة من صور الأمان الاستراتيجي. فعندما يتم تطبيقه بشكل صحيح، سيساعد على تقليل هشاشة الاقتصاد الوطني، ودعم القدرات المحلية، وخلق دائرة مستدامة من الاستثمار والوظائف والابتكار. هذه هي المرونة الاقتصادية التي تحتاجها المملكة لتكون متأهبة في مواجهة مستجدات السنوات القادمة.
Ad
