بنوك "وول ستريت" تستغل تخفيف القيود التنظيمية لضخ السيولة في التداول لا في قروض المستهلكين
تسعى واشنطن إلى تحرير موارد البنوك الكبرى أكثر، وبدورها، لم تهدر البنوك وقتا في تشغيل تلك الموارد، حيث وجهتها نحو أسواق "وول ستريت" المالية، بدلا من ضخها في الاقتصاد الحقيقي وقروض الأفراد.
بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، يحرز إقراض البنوك الكبرى للمستهلكين والشركات متوسطة الحجم تقدما متواضعا، بينما انفجر الطلب على التمويل في أنشطة التداول والاستثمار، التي تخدم عملاء مثل صناديق الائتمان الخاص، وصناديق التحوط، والمستثمرين المؤسسين.
يحقق هذا النوع من الإقراض أرباحاً ضخمة، وذلك بفضل القيود التنظيمية المخففة ولأنه يدر رسوما طائلة مقابل ترتيب الصفقات وتقديم الخدمات الأخرى.
مع ذلك، بدأ المستثمرون يتساءلون: هل تستطيع البنوك مواصلة حصد الأرباح من الأسواق المالية؟ خاصة مع تنامي المخاطر الناتجة من الحروب وتأثير الذكاء الاصطناعي.
في الربع الأول، أبلغت أكبر 6 بنوك أمريكية ("جيه بي مورجان"، و"بانك أوف أمريكا"، و"سيتي جروب"، و"جولدمان ساكس"، و"مورجان ستانلي"، و"ويلز فارجو") عن قفزة أخرى في إيرادات التداول، بزيادة جماعية بلغت 17% مقارنة بالعام السابق.
وعملت هذه البنوك على زيادة الأصول التي تغذي تلك الأنشطة. فقد نما إجمالي متوسط الأصول المرتبطة بالتداول في الربع الأول بنحو 20%. وصرح جيريمي بارنوم، المدير المالي لـ"جيه بي مورجان"، للمحللين بأن إقراض الأسواق كان "المحرك الأساسي لنمو القروض بالجملة مؤخراً".
في المقابل، توخت بعض الشركات والمستهلكين الحذر استعدادا لارتفاع تكاليف الطاقة، ما أثر في طلبهم على الاقتراض. فقد ارتفعت القروض الاستهلاكية الإجمالية في الربع الأول بنسب ضئيلة لم تتجاوز خانة الآحاد. ونمت القروض في وحدات الخدمات المصرفية التجارية التابعة للبنوك، التي تخدم في المقام الأول الشركات المتوسطة الحجم، بالوتيرة نفسها تقريبًا.
تمكنت البنوك من تعزيز نموها في التداول جزئياً من خلال سحب بعض رأس المال الفائض الذي تراكم خلال إدارة بايدن، حين كانت تستعد لزيادة محتملة في متطلبات رأس المال. أما الآن، وفي ظل المقترحات الجديدة خلال إدارة ترمب، تتوقع بعض البنوك الكبرى ثبات متطلبات رأس المال أو انخفاضها حتى.
وقد انخفضت نسبة رأس المال إلى الأصول المرجحة بالمخاطر لدى البنوك الستة الكبرى بأكثر من نقطة مئوية في المتوسط منذ الربع الأخير من 2024، ورغم أنها لا تزال فوق الحد الأدنى المطلوب للبنوك، إلا أن فائض رأس المال لدى البنوك تراجع.
تحديات
رغم الأجواء التفاؤلية بتخفيف القيود، إلا أن المشهد لا يخلو من التعقيد. لا تزال القواعد التنظيمية لرأس المال قائمة ومؤثرة. يتوقع بنك "جيه بي مورجان"، مثلا، زيادة بنسبة 4% في متطلبات رأس المال الأساسي بموجب مقترحات الاحتياطي الفيدرالي الأخيرة، ما يعني أن المعركة حول صياغة القوانين النهائية لم تنتهِ بعد.
من جهة أخرى، بدأت تظهر بوادر انتعاش في إقراض الشركات التقليدية بوتيرة تفوقت في بعض الجوانب على إقراض الأسواق، وهو ما ظهر إيجاباً على أسهم البنوك الإقليمية والصغيرة التي تفوق أداؤها على مؤشر إس آند بي 500 خلال 2026.
علاوة على ذلك، تلقي الحرب في الشرق الأوسط بظلال من الشك على استدامة هذه الأرباح. فقد حذر صندوق النقد الدولي من أن التقلبات العنيفة قد تضع صناديق التحوط في مواجهة مطالبات تغطية الهامش، ما قد يجبرها على تصفية مراكزها ويزيد من اضطراب النظام المالي.
كما حذرت وكالة "إس آند بي جلوبال" من أن التوسع السريع في ميزانيات هذه الصناديق، المعتمدة على تمويل البنوك، يهدد بمخاطر هيكلية قد تؤثر في التصنيفات الائتمانية للبنوك الكبرى.

