أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان، رئيس اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التابعة لـصندوق النقد الدولي، موافقة جميع الدول الأعضاء على تبني «مبادئ الدرعية التوجيهية» لإصلاحات الحصص والحوكمة، في خطوة وصفها بأنها الأهم منذ أكثر من 15 عاماً في هذا الملف الحيوي، في تطور يُعد من أبرز التحولات في مسار إصلاح النظام المالي الدولي، بما يواكب التحولات في الاقتصاد العالمي، ويدعم استقرار النظام المالي العالمي.
إصلاحات تاريخية في لحظة عالمية حرجة
وبحسب بيان للجدعان رئيس الاجتماع الثالث والخمسين للجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، يأتي هذا الاتفاق في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي ضغوطاً متزايدة نتيجة صدمات متلاحقة، من بينها الحروب والصراعات الجيوسياسية، وعلى رأسها التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط. هذه التطورات لم تقتصر آثارها على الجانب الإنساني، بل امتدت لتؤثر بعمق على استقرار الأسواق العالمية، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة والغذاء، مع تحمل الدول الفقيرة والشرائح الأكثر هشاشة العبء الأكبر من التداعيات.
ورغم هذه التحديات، أظهر الاقتصاد العالمي قدراً من الصمود، إلا أن استمرار الصراعات قد يفاقم من ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، ويزيد من الضغوط التضخمية، ويهدد النمو العالمي. كما أن تشديد الأوضاع المالية العالمية يضيف طبقة جديدة من المخاطر على الاستقرار المالي، بحسب البيان.
«مبادئ الدرعية».. خارطة طريق لإصلاح الحوكمة
أكد البيان أن «مبادئ الدرعية التوجيهية» تشكل إطاراً عملياً لإعادة هيكلة نظام الحصص والحوكمة داخل صندوق النقد الدولي، بما يعكس التحولات العميقة في الاقتصاد العالمي. وتهدف هذه المبادئ إلى تعزيز شرعية الصندوق وفعاليته، وضمان تمثيل أكثر عدالة للدول الأعضاء، مع الحفاظ على متانة موارده المالية.
وترتكز المبادئ على عدد من الأسس الجوهرية، أبرزها الإبقاء على الصندوق كمؤسسة قائمة على الحصص، مع ضمان كفاية موارده ودوره المركزي في شبكة الأمان المالي العالمية، وتحقيق توازن عادل في التمثيل والتصويت، يعكس الوزن النسبي للدول في الاقتصاد العالمي، مع حماية حصص الدول الأقل دخلاً، إضافة إلى اعتماد نهج تدريجي وشفاف في الإصلاحات، قائم على التوافق بين جميع الأعضاء.
من بين المبادئ تعزيز كفاءة عمليات صنع القرار داخل الصندوق، مع الحفاظ على الشمولية والتمثيل الإقليمي المتوازن، والتأكيد على أهمية إجراء مراجعات دورية للحصص، تضمن تحديث توزيع الموارد بما يتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، دون إحداث تقلبات حادة في حصص الدول، بحسب البيان.
تعزيز التعاون متعدد الأطراف
الاتفاق على هذه المبادئ يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية العمل الجماعي في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية. ففي ظل تراجع زخم التعاون الدولي وتقلص الحيز المتاح للسياسات الاقتصادية، تبرز الحاجة إلى أطر حوكمة أكثر مصداقية ومرونة.
وأكدت اللجنة الدولية التزامها بتعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي، ودعم النمو الشامل، من خلال سياسات مالية ونقدية متوازنة، وإصلاحات هيكلية تدعم الاستثمار والإنتاجية. كما شددت على ضرورة حماية الفئات الأكثر ضعفاً، وتعزيز شفافية الديون، وتسريع عمليات إعادة هيكلتها، خاصة في الدول منخفضة الدخل.
نحو نظام مالي عالمي أكثر توازناً
تمثل «مبادئ الدرعية التوجيهية» خطوة مفصلية نحو بناء نظام مالي دولي أكثر عدالة ومرونة، قادر على التكيف مع التحولات الهيكلية، بما في ذلك التطورات التكنولوجية والتغيرات الديمغرافية وتحديات المناخ.
ومع التطلع إلى المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص، يُنتظر أن تشكل هذه المبادئ الأساس لمفاوضات أعمق حول إعادة توزيع النفوذ داخل صندوق النقد الدولي، بما يعزز من تمثيل الاقتصادات الناشئة والنامية، دون الإخلال باستقرار المؤسسة.
في المحصلة، يعكس هذا التوافق الدولي إدراكاً بأن إصلاح الحوكمة لم يعد خياراً، بل ضرورة لضمان استدامة النظام المالي العالمي، في عالم يزداد تعقيداً وتشابكاً.

