تشهد وول ستريت حاليًا انقسامًا واضحًا بين المحللين حول الإستراتيجية الأنسب للتعامل مع الأصول المقومة بالدولار الأمريكي.
وبحسب مقالة في صحيفة "فورتشن"، بعض كبار المستثمرين، مثل دان إيفاسكين، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة "بيمكو"، ينصحون بتنويع الاستثمارات بعيدًا عن الولايات المتحدة بسبب ما يرونه من عدم قابلية التنبؤ بسياسات إدارة الرئيس دونالد ترمب.
كما تبنى محللو بنك "آي إن جي" منذ فترة موقف "بيع الأصول الأمريكية"، مشيرين إلى أن تراجع الدولار نحو 9% خلال الاثني عشر شهرًا الماضية ألحق خسائر كبيرة بالمستثمرين في الأصول الأمريكية.
لكن بيانات جديدة صدرت مؤخرًا تشير إلى أن هذا التوجه قد لا يكون دقيقًا بالكامل. فقد ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.26% في يوم واحد، مع ارتفاع العقود الآجلة 0.36%. بالطبع، لا يعد أداء يوم واحد مؤشرا ذا دلالة كبيرة بحد ذاته، لكنه هذا يعني أن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 قد ارتفع 1.45% منذ بداية العام، وهو أداء جيد خلال فترة قصيرة.
الأهم من ذلك، نشرت الحكومة الأمريكية أحدث بياناتها لرأس المال الدولي الصادرة عن وزارة الخزانة أن صافي التدفقات الأجنبية إلى الأصول الأمريكية بلغ 212 مليار دولار في نوفمبر وحده. ووفقًا لكريس تيرنر من "آي إن جي"، ارتفع المتوسط المتحرك للتدفقات الشهرية خلال الاثني عشر شهرًا الأخيرة إلى نحو 100 مليار دولار، مقارنة بـ25 مليار دولار فقط في صيف 2024، ما يدل على استمرار ثقة المستثمرين الأجانب في السوق الأمريكية.
وما يعزز التفاؤل، أعلنت كاثي وود، من شركة "آرك إنفست"، في تعليق جديد أن نظريتها حول "الركود المتواصل" (التي تنص على أن قطاعات مختلفة من الاقتصاد عانت ركودا رغم صمود الاقتصاد ككل) قد شارفت على نهايتها. وقالت إن الولايات المتحدة أصبحت أشبه بـ"زنبرك" قد يرتد بقوة خلال السنوات القليلة المقبلة.
من جهة أخرى، يزداد تفاؤل محللي التكنولوجيا بشأن أرباح الربع الرابع، حيث أكد دان آيفز من شركة "ويدبوش" أن شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل "مايكروسوفت" و "ألفابت" و"أمازون"، تشهد طلبًا قويًا على حلول الذكاء الاصطناعي. ويرى أن السوق لا تزال تستخف بحجم الإنفاق المتوقع على الذكاء الاصطناعي، وأن المستثمرين غير مدركين لحجم النمو الهائل المتوقع، والناجم عن إنفاق 3 تريليونات دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وتدعم أسعار السلع هذا التفاؤل، إذ ارتفع سعر النحاس نحو 33% خلال عام بحسب عقد "كومكس". صحيح أن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترمب على النحاس رفعت الأسعار، لكن السبب الأساسي للارتفاع هو الطلب القوي من شركات التكنولوجيا التي تبني مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ما يجعل سعر النحاس مؤشرًا على قوة النشاط التكنولوجي.
وعلى الصعيد السياسي، أخيرًا، بدأ المستثمرون يعتادون على دراما ترمب السياسية، إذ أدركوا أن تصريحاته المجلجلة لا تترجم إلى أفعال عظيمة، ومن أمثلة ذلك مواقفه تجاه إيران، وفنزويلا، ورئيس الاحتياطي الفيدرالي، وحتى تهديده بغزو جرينلاند.
مع ذلك، لم يتخل تيرنر، من بنك "آي إن جي"، عن نظريته القائلة بأن "التخلي عن أصول الدولار" مستمر لكن بوتيرة بطيئة. فالدولار لا يزال قويًا نسبيًا، مدعومًا ببيانات اقتصادية أمريكية إيجابية، وتوقع أن أي تراجع مستقبلي في الدولار سيكون مرتبطًا بخفض أسعار الفائدة أو زيادة التحوط الأجنبي، وليس بانهيار وشيك لمكانته العالمية.

