الاثنين, 7 سبتمبر 2026|24 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

تواجه المخابز في السعودية ضغوطًا متزايدة من تكاليف التشغيل، في وقت يواصل فيه الطلب على المخبوزات والمعجنات والمنتجات الغذائية المرتبطة بها النمو، بحسب ما ذكره مستثمرون وعاملون في قطاع المخابز.

لا يرتبط ارتفاع تكاليف منتجات المخابز بسعر الدقيق وحده، إذ تواجه المنشآت ارتفاعات متزامنة في أسعار الزيوت والسكر والطاقة والديزل والكهرباء ومواد التغليف والأكياس البلاستيكية، إلى جانب المصاريف التشغيلية الأخرى، ما يضغط على هوامش الربحية ويدفع المنشآت، خصوصًا الكبيرة منها، إلى البحث عن وسائل أكثر كفاءة للإنتاج والمناولة والنقل.

في هذا السياق، يبرز الدقيق السائب كأحد التحولات اللوجستية التي بدأت تتوسع في المخابز والمصانع الغذائية الكبيرة، لما يوفره من تقليل عمليات التحميل والتنزيل اليدوية، وخفض الحاجة إلى العمالة المرتبطة بالمناولة، ورفع كفاءة التوريد، إلى جانب تحسين النظافة وسلامة انتقال الدقيق إلى خطوط الإنتاج، بحسب ما ذكر سامر الشخص المدير التنفيذي لشركة الشخص التجارية وأحد موزعي الدقيق في المنطقة الشرقية.

852 مليون ريال واردات الدقيق ومنتجاته

بالرغم من التحديات التي تواجه قطاع المخابز، إلا ان هناك طلبا متزايدا على الدقيق من قبل أصحاب المخابز، إذ تشير بيانات رسمية حصلت عليها " الاقتصادية " من الهيئة العامة للإحصاء إلى ارتفاع واردات السعودية من الدقيق ومنتجاته الأخرى بنحو 9.6% خلال العام الماضي، لتصل إلى نحو 285 ألف طن بقيمة إجمالية بلغت 852 مليون ريال، مقابل 260 ألف طن بقيمة 832 مليون ريال في 2024.

وتتنوع مصادر الإمدادات السعودية بين الأسواق التركية والإيطالية والإماراتية والهندية والأسترالية والفرنسية، إلى جانب أسواق آسيوية وإفريقية وأوروبية أخرى.

ولا تعكس هذه الواردات اعتماد السوق على منتج واحد، بقدر ما تشير إلى اتساع نطاق المنتجات الداخلة ضمن بند الدقيق ومنتجاته، مثل المخبوزات والمعجنات والمنتجات الغذائية ذات القيمة المضافة.

صور مخابز

اقرأ أيذا: ماذا يعني تصاعد الهجمات في البحر الأسود لأسعار الغذاء؟ | صحيفة الاقتصادية

توسع قطاع المخابز يرفع الطلب ويزيد ضغوط التشغيل

يتزامن نمو الطلب على الدقيق ومنتجاته مع توسع نشاط المخابز والصناعات الغذائية المرتبطة به، وزيادة عدد منافذ بيع المخبوزات وتوسع سلاسل المخابز الحديثة، خصوصا في منتجات المعجنات والحلويات والمخبوزات ذات القيمة المضافة.

فحسب ما اوضحته وزارة التجارة لـ"الاقتصادية" فأن إجمالي السجلات التجارية القائمة لنشاط البيع بالجملة لمنتجات المخابز في السعودية بلغ 22,541 سجلا بنهاية النصف الأول من  العام الحالي، مقابل 20,364 سجلا بنهاية 2025، و13,638 سجلا بنهاية 2024، أي بزيادة قدرها  11% خلال 6 أشهر في مؤشر على النمو المتواصل للنشاط.

وتصدرت منطقة الرياض المناطق السعودية من حيث عدد السجلات التجارية القائمة للنشاط بواقع 8,514 سجلا، تلتها منطقة مكة المكرمة بـ6,869 سجلا، ثم المنطقة الشرقية بـ2,509 سجلات.

هذا التوسع في النشاط يرفع الطلب على المواد الخام، لكنه في الوقت ذاته يضع المخابز أمام تحديات أكبر في إدارة التكلفة، خصوصا مع ارتفاع أسعار عدد من المدخلات الأساسية وتزايد المصاريف التشغيلية.

اقرأ أيضا: "شبيه الجبن" يتمدد في السعودية .. سوق بنحو 170 مليون ريال | صحيفة الاقتصادية

الدقيق ليس وحده المسؤول عن ارتفاع أسعار المخبوزات

ويرى الشخص أن ارتفاع أسعار بعض منتجات المخابز، مثل المعجنات وبعض أنواع الخبز، لا يرتبط بشكل مباشر بارتفاع سعر الدقيق.

ويشير إلى أن المخابز تواجه ضغوطًا من عدة اتجاهات، تشمل الزيوت والسكر والطاقة والديزل والكهرباء ومواد التغليف والأكياس البلاستيكية، إضافة إلى بقية المصاريف التشغيلية، ما يجعل تكلفة المنتج النهائي مرتبطة بمنظومة واسعة من المدخلات وليس بسعر الدقيق فقط.

ويقول الشخص إن المخابز الأوتوماتيكية والمنشآت ذات الطاقة الإنتاجية الكبيرة تتحمل جانبًا كبيرًا من هذه الضغوط، في ظل انخفاض هوامش الربح مقارنة بالسابق، إلا أن المنشآت الكبيرة التي تمتلك مصانع وشبكات توزيع واسعة قد تكون أكثر قدرة على امتصاص ارتفاع التكاليف عبر رفع كفاءة الإنتاج وتحقيق وفورات الحجم.

صورة مخابز 2

خصخصة المطاحن تعيد تشكيل المنافسة

ورغم ضغوط التكاليف، شهدت سوق الدقيق والمخابز في السعودية تطورات ملحوظة خلال السنوات الماضية، خصوصًا بعد انتقال قطاع المطاحن إلى مرحلة الخصخصة.

ويشير الشخص، الذي يمتلك خبرة تمتد لأكثر من 35 عامًا في مجال توزيع الدقيق بالمنطقة الشرقية والأحساء، إلى أن انتقال المطاحن من القطاع الحكومي إلى شركات متخصصة ضمن برنامج الخصخصة أسهم في تعزيز المنافسة ورفع مستوى الخدمات والجودة وتنوع المنتجات المقدمة للمخابز والمنشآت الغذائية.

كما أصبحت شركات المطاحن تنافس في خدمات النقل والتوصيل، سواء من خلال إيصال الدقيق إلى مستودعات الموزعين أو تقديم بدلات للنقل عند تولي الموزع عملية النقل، وهو ما يساعد على خفض التكاليف التشغيلية، خصوصًا مع الكميات الكبيرة التي يتم تداولها.

الدقيق السائب.. من المصنع إلى خطوط الإنتاج

ضمن هذه التحولات، يبرز الدقيق السائب كخيار لوجستي للمخابز والمصانع ذات الاستهلاك المرتفع، إذ يبدأ مسار التوريد من شركات المطاحن التي تنتج الدقيق وتجهزه للتحميل في ناقلات مخصصة للدقيق السائب.

وتصل حمولة الناقلة الواحدة إلى نحو 25 طنًا في الرحلة، قبل أن تنتقل مباشرة إلى المخبز، حيث لا يتم تفريغ الدقيق في أكياس أو مناولته يدويًا كما يحدث في النظام التقليدي.

وعند وصول الناقلة إلى المخبز، يتم ضخ الدقيق مباشرة من الناقلة إلى صومعة أو خزان مخصص داخل المنشأة، عبر نظام مغلق ومخصص للتفريغ، ثم يُنقل الدقيق من الصومعة إلى العجانات وخطوط الإنتاج من خلال أنظمة نقل مرتبطة بالصوامع.

وبذلك يصبح مسار الدقيق أكثر اختصارًا: من مصنع المطاحن إلى الناقلة، ثم إلى صومعة المخبز، ومنها مباشرة إلى العجانات وخطوط الإنتاج، دون الحاجة إلى عمليات متكررة لتحميل الأكياس وتنزيلها ونقلها داخليًا.

ويقول الشخص إن شركته توفر هذه الخدمة للمخابز الكبيرة، من خلال استيراد أنظمة الصوامع والمعدات اللازمة من إيطاليا وتركيبها داخل المنشأة، ثم تزويدها بالدقيق السائب من شركات المطاحن بواسطة الناقلات المخصصة.

وفرة الإمدادات واستقرار السوق

ولا يرى الشخص أن سوق الدقيق في المنطقة الشرقية والأحساء تواجه حاليا نقصًا ملحوظا في الإمدادات، مؤكدًا أن الكميات المتوفرة تتناسب بصورة جيدة مع احتياجات السوق.

وفي جانب الأسعار، يؤكد الشخص أن أسعار الدقيق في السوق المحلية تشهد حالة من الاستقرار رغم المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، مرجعًا ذلك إلى طبيعة الدقيق كسلعة مدعومة من الدولة، ما يجعله أقل تأثرًا بالتقلبات العالمية مقارنة بعديد من السلع الغذائية الأخرى.

وبحسب تقديره، قد تراوح تكلفة إنتاج كيس الدقيق عالميا، وفقا لأسعار القمح وتكاليف الإنتاج، بين نحو 70 و100 ريال للكيس، بينما يباع الدقيق المدعوم للموزعين بنحو 22 ريالًا للكيس.

ويشير إلى أن منظومة الدعم أسهمت على مدى عقود في المحافظة على استقرار أسعار الدقيق في السوق المحلية، الأمر الذي يجعل الضغوط الحالية على المخابز مرتبطة بدرجة أكبر بالمدخلات الأخرى والتكاليف التشغيلية.

المحلي ينافس الخليجي في العبوات الصغيرة

أما في المنافسة بين الدقيق المحلي والمستورد، فيوضح الشخص أن المخابز تعتمد بصورة شبه كاملة على الدقيق المحلي، خصوصًا في العبوات الكبيرة المخصصة للاستخدام التجاري.

وتتركز المنافسة بدرجة أكبر في العبوات الصغيرة الموجهة للمستهلكين، مثل عبوات الكيلو والكيلوين والخمسة كيلوجرامات، حيث تتنافس شركات المطاحن المحلية مع منتجات خليجية، ومنها المنتجات القادمة من الكويت وقطر.

الهدر.. تحدٍ محدود أمام المخابز

في المقابل، لا يمثل الهدر في الدقيق تحديًا كبيرًا، بحسب الشخص، خصوصًا أن الكميات التي تحصل عليها المخابز ترتبط بحصص محددة وفقًا لحجم المخبز وإمكاناته ومعداته وقدرته الإنتاجية.

ويشير إلى أن للمخبز مصلحة مباشرة في الحد من الهدر والتلف، لأن أي فاقد يمثل خسارة مالية، فيما تساعد منظومة تحديد الحصص على تحقيق التوازن بين توفير الدقيق للمخابز ومنع الهدر غير الضروري.

وعلى مستوى توزيع الاستهلاك، لا يملك الشخص أرقاما إحصائية دقيقة حول حجم استهلاك الدقيق بحسب المناطق، لكنه يتوقع أن تكون الرياض ومكة المكرمة من أكبر مناطق المملكة استهلاكًا للدقيق، بالنظر إلى الكثافة السكانية وحجم النشاط الاقتصادي.

ويضاف إلى ذلك الطلب المرتبط بمواسم الحج والعمرة والنشاط الكبير في قطاعات الضيافة والمطاعم والمخابز في منطقة مكة المكرمة.

تكاليف التشغيل تضغط على المخابز التقليدية الصغيرة

بدوره ، أوضح محمد الشمري، مالك عدد من المخابز التقليدية الصغيرة في الأحياء الشعبية بالخبر والدمام، أن ارتفاع تكاليف التشغيل يأتي في مقدمة التحديات التي تواجه المخابز الصغيرة، ويهدد قدرتها على الاستمرار في ظل توسع المخابز الآلية وشبه الآلية، مبينا أن هذه المخابز تعتمد بدرجة كبيرة على العمالة والكهرباء والغاز والمواد الخام والصيانة والنقل، وهي تكاليف يصعب توزيعها على كميات إنتاج محدودة.

وبين أن أحد أبرز التحديات يتمثل في ضيق النطاق الجغرافي لتسويق منتجات المخبز التقليدي، إذ يعتمد في الأغلب على وصول المستهلك مباشرة إلى المخبز لشراء الخبز والمنتجات الطازجة، ويخدم سكان الحي والأحياء المحيطة به، في حين تتمتع المخابز الكبيرة بقدرة أكبر على توزيع منتجاتها من خلال شبكة من الموزعين، والوصول إلى أحياء متعددة والمجمعات التجارية ومحال بيع التجزئة، ما يمنحها سوقًا أوسع وقدرة أعلى على تصريف الإنتاج.

وأشار الشمري إلى أن محدودية حجم الإنتاج تمثل تحديا إضافيا للمخابز الصغيرة، إذ تنتج كميات أقل وخلال فترات محددة من اليوم وفقا لحجم الطلب، ولا تعمل بالقدرة الإنتاجية المستمرة التي تتمتع بها المخابز الكبيرة والآلية.

وأضاف أن المخبز الصغير يواجه كذلك مشكلة ارتفاع مخاطر الهدر، خصوصا في المنتجات الطازجة التي ترتبط صلاحيتها باليوم نفسه، إذ إن أي انخفاض في الطلب خلال يوم معين قد يؤدي إلى فاقد مباشر يصعب تعويضه، بينما تستطيع المخابز الأكبر إدارة الإنتاج والتوزيع على نطاق أوسع وتصريف الكميات بين منافذ بيع متعددة.

ولفت إلى أن المخابز الصغيرة حاولت مجاراة المخابز الآلية من خلال إضافة منتجات جديدة إلى جانب الخبز التقليدي، إلا أن هذه المحاولات لم تحقق الإقبال المتوقع في كثير من الحالات، نتيجة تفاوت مستوى الجودة، وضعف تطوير المنتج، ومحدودية أساليب العرض والتغليف والتسويق مقارنة بالمنتجات التي تقدمها المخابز الحديثة والسلاسل المتخصصة.

وأكد أن المنافسة لم تعد مقتصرة على سعر الخبز، إنما أصبحت تشمل جودة المنتج وتنوعه، وطريقة عرضه، والتغليف، وسهولة الوصول إليه، وتوافره في منافذ بيع متعددة، وهي عوامل تمنح المخابز الكبيرة أفضلية واضحة على المخابز التقليدية الصغيرة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية