يشهد سوق الإسكان الأمريكي تحولاً لافتاً هذا العام، مع تصاعد هيمنة العروض النقدية — أي شراء المنازل بالكامل دون تمويل بنكي — لتشكّل نحو ثلث الصفقات العقارية خلال النصف الأول من عام 2025، بحسب تحليل صادر عن موقع ريلتور.كوم. وتشير بيانات مجلة فورتشن إلى أن 32.8٪ من المبيعات تمت نقداً بالكامل، وهو مستوى مرتفع مقارنة بما قبل الجائحة، رغم انخفاض طفيف عن العام الماضي.
وتوضح الباحثة الاقتصادية هانا جونز أن هذا الاتجاه يتركز بشكل أساسي عند طرفي سوق العقارات؛ أي في المنازل منخفضة السعر جداً والعقارات الفاخرة. وتُرجع ذلك إلى نشاط مجموعتين رئيسيتين: المستثمرين ومشتري المنازل الثانية. فالمستثمرون المؤسسيون يواصلون استغلال قوتهم المالية لتقديم عروض سريعة دون الحاجة إلى قروض، فيما يشكّل المشترون للمنازل الثانية نسبة متزايدة من الصفقات النقدية، خصوصاً في مناطق العطلات.
وتُظهر بيانات السجلات العقارية أن الشركات والكيانات الاستثمارية تستحوذ على حصة “غير متناسبة” من المعاملات النقدية، في وقت تضاعفت فيه نسبة المستثمرين الذين يشترون نقداً مقارنة بمبيعات 2024. كما ارتفعت المبيعات النقدية من 27.5٪ في 2019 إلى ذروة بلغت 34٪ في 2023 قبل أن تتراجع قليلاً هذا العام، ما يعكس تباطؤ نشاط المستثمرين الكبار وتحوّل السوق تدريجياً نحو التوازن.
وخلال سنوات الجائحة، سيطر كبار المستثمرين على بعض الأسواق، غير أن تراجع نشاطهم مؤخراً أفسح المجال أمام المستثمرين الأصغر الذين يعتمدون على التمويل البنكي. ومع ذلك، يظل حضور المستثمرين المؤسسيين قوياً، فيما يجد المشترون العاديون أنفسهم مستبعدين من المنافسة بسبب ارتفاع الأسعار وتوافر رؤوس الأموال الكبيرة في السوق.
ويقول لانس لامبرت، الشريك المؤسس لمنصة ريزي كلوب، في تصريح لمجلة فورتشن، إن المشترين النقديين اليوم يشملون شريحة متنامية من جيل الطفرة السكانية (البومرز) الذين يستخدمون عائدات بيع منازلهم السابقة لشراء منازل جديدة دون قروض، تجنباً لارتفاع أسعار الفائدة. وأضاف أن جميع فئات المشترين تراجعت منذ عام 2022 بفعل ارتفاع معدلات الرهن العقاري، لكن المشترين النقديين حافظوا على حضور قوي، ما رفع حصتهم السوقية إلى مستويات تاريخية.
وعلى المستوى الجغرافي، تظهر البيانات فروقات واضحة بين الولايات؛ إذ تتصدر ميسيسيبي (49.6٪) ونيو مكسيكو (48.8٪) ومونتانا (46٪) وهاواي (44.9٪) نسب الشراء النقدي، مدفوعة بمزيج من الأسعار المعقولة والإقبال من خارج الولاية والفئات الأكبر سناً. في المقابل، تعتمد ولايات مثل واشنطن (21.1٪) وميريلاند (24٪) بدرجة أكبر على التمويل العقاري بسبب ارتفاع الأسعار وانتشار المشترين الشباب.
أما على مستوى المدن، فتتقدم ميامي (43٪) وسان أنطونيو (39.6٪) وكانساس سيتي (39.2٪) في نسب الشراء النقدي، بينما تسجل سياتل (17.9٪) وسان خوسيه (20.6٪) أدنى المعدلات.
وتوضح جونز أن بيانات السوق ترسم منحنى على شكل حرف U، إذ ترتفع الصفقات النقدية عند طرفي السوق: المنازل منخفضة القيمة جداً والعقارات الفاخرة باهظة الثمن. فخلال ذروة فورة السوق في عام 2021، بلغ عدد المبيعات النقدية نحو مليوني صفقة، قبل أن يتراجع إلى 1.4 مليون في 2024 مع تباطؤ المبيعات، إلا أن النسبة لا تزال مرتفعة تاريخياً. وتشير البيانات إلى أن ثلثي المنازل التي تقل قيمتها عن 100 ألف دولار تُباع نقداً، مقابل أكثر من 40٪ من المنازل التي تتجاوز قيمتها مليون دولار.
وتخلص جونز إلى أن سوق الإسكان الأمريكي أصبح غير متكافئ بشكل متزايد، إذ يهيمن المستثمرون وكبار السن الأثرياء على الصفقات النقدية بفضل وفرة السيولة، فيما يُستبعد المشترون الجدد وذوو الدخل المحدود من المنافسة في ظل بيئة تمويلية أكثر تشدداً وارتفاع في تكاليف الاقتراض.

