الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية


كشف تقرير حديث عن قطاع الرعاية الصحية في السعودية أن المملكة نجحت في تحقيق تغطية شبه شاملة للخدمات الصحية، وبناء بنية تحتية متقدمة تضاهي المعايير العالمية، إلى جانب تأسيس منظومة مؤسسية تدعم نظاماً صحياً حديثاً ومتكاملاً. وأكد التقرير أن القطاع يقف اليوم أمام مرحلة تحول مفصلية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تقود إصلاحات واسعة النطاق في مختلف مكونات النظام الصحي.

وأوضح التقرير الصادر عن KPMG الشرق الأوسط بعنوان "الاستثمار في صحة أفضل: تمويل نموذج الرعاية في المملكة العربية السعودية"، أن التحدي الرئيسي لم يعد يتمثل في توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات الصحية، بل في تحقيق أعلى قيمة ممكنة من الإنفاق الصحي. فبعد الوصول إلى مستويات شبه كاملة من التغطية الصحية الأساسية للمواطنين، أصبح التركيز موجهاً نحو رفع كفاءة استخدام الموارد المالية وتحقيق نتائج صحية أفضل وأكثر استدامة.

التمويل.. أداة استراتيجية لإصلاح النظام الصحي

في هذا السياق، أكدت حنان العرفج، المدير التنفيذي لاستشارات الرعاية الصحية في KPMG الشرق الأوسط، أن المملكة أنجزت المرحلة الأصعب من رحلة التحول الصحي عبر توسيع الخدمات وتعزيز الطاقة الاستيعابية للقطاع، مشيرة إلى أن المرحلة المقبلة ستتحدد ملامحها من خلال تطوير نماذج التمويل الصحي.

وأضافت أن التمويل لم يعد مجرد وظيفة تشغيلية لإدارة النفقات، بل تحول إلى أداة استراتيجية قادرة على تحسين أداء النظام الصحي ورفع جودة المخرجات الصحية وتحقيق الاستدامة المالية.

efe8e604-13b7-41b6-a018-75aa7e76f92d

إنفاق صحي متنامٍ وضغوط مستقبلية متزايدة

وأظهر التقرير أن إجمالي الإنفاق الصحي في المملكة بلغ نحو 227.7 مليار ريال خلال عام 2023، بما يعادل 5.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى لا يزال أقل من متوسط الإنفاق في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الذي يتراوح بين 9% و10%.

ولا تزال الحكومة تتحمل نحو ثلثي إجمالي الإنفاق الصحي، فيما تمثل المدفوعات المباشرة للأفراد ما بين 14% و15% من الإنفاق، يذهب نحو نصفها تقريباً إلى الأدوية.

وأشار التقرير إلى أن التوقعات السكانية بارتفاع عدد سكان المملكة إلى نحو 40 مليون نسمة بحلول عام 2030، بالتزامن مع زيادة نسبة كبار السن، ستفرض ضغوطاً إضافية على خدمات الرعاية المزمنة وطويلة الأجل، الأمر الذي يستدعي تبني نماذج تمويل أكثر كفاءة واستدامة.

نماذج الدفع الحالية لا تضمن أفضل النتائج الصحية

وسلط التقرير الضوء على العلاقة المباشرة بين آليات الدفع وسلوك مقدمي الرعاية الصحية، موضحاً أن النماذج التقليدية القائمة على الدفع مقابل حجم الخدمات، مثل عدد الزيارات أو الفحوصات والإجراءات الطبية، تشجع على زيادة النشاط الطبي لكنها لا تضمن بالضرورة تحسين النتائج الصحية للمرضى.

وفي المقابل، دعا التقرير إلى التحول نحو نموذج "الرعاية الصحية القائمة على القيمة"، الذي يربط التمويل بتحقيق نتائج صحية أفضل، وتعزيز الوقاية، وتقليل الحاجة إلى التنويم ودخول المستشفيات، بما يحقق كفاءة أعلى في الإنفاق الصحي.

الأمراض المزمنة تستنزف الموارد الصحية

واستناداً إلى بيانات تفصيلية، أوضح التقرير أن ثلاثة من أبرز الأمراض غير المعدية، وهي أمراض الجهاز التنفسي المزمنة والسكري وأمراض القلب، تؤثر على أكثر من 2.27 مليون مريض في المملكة، وتشكل عبئاً اقتصادياً وصحياً كبيراً يقدر بنحو 108 مليارات ريال على مستوى الرعاية الأولية.

وأكد الدكتور محمد فايق، المدير المساعد لاستشارات الرعاية الصحية في KPMG الشرق الأوسط، أن التعامل مع هذه الأمراض يتطلب نماذج تمويل طويلة الأمد تركز على الوقاية وإدارة الحالة الصحية للمريض، بدلاً من تمويل كل زيارة أو خدمة بشكل منفصل، وهو ما يعكس التطبيق العملي لمفهوم الرعاية الصحية القائمة على القيمة.

cb70277f-7e5c-4ce1-bb84-94507777a72b

تقدم مؤسسي كبير وفجوة في منظومة التمويل

وبيّن التقرير أن المملكة حققت تقدماً ملحوظاً في بناء الإطار المؤسسي للقطاع الصحي من خلال عدد من الجهات التنظيمية والتنفيذية، من بينها وزارة الصحة السعودية، والشركة القابضة الصحية، ومجلس الضمان الصحي، ومركز التأمين الصحي الوطني، إضافة إلى التوسع في المنصات الصحية الرقمية.

ورغم هذا التقدم، أشار التقرير إلى وجود فجوة واضحة في منظومة التمويل، حيث لا تزال العديد من آليات التمويل تعتمد على نماذج تقليدية ومجزأة لا تتواكب مع التطورات التي يشهدها نموذج تقديم الرعاية الصحية، ما يخلق تضارباً في الحوافز ويحد من فعالية الإصلاحات الجارية.

ارتفاع رفض المطالبات التأمينية يضغط على مقدمي الخدمات

ومن أبرز التحديات التشغيلية التي تناولها التقرير، ارتفاع معدلات رفض المطالبات التأمينية، والتي تتراوح بين 15% و25%، الأمر الذي يؤدي إلى ضغوط على السيولة النقدية لدى مقدمي الخدمات الصحية، فضلاً عن زيادة الأعباء الإدارية والتشغيلية.

وأشار التقرير إلى أن تطوير الأنظمة الرقمية، ومن بينها منصة نفيس، يمكن أن يسهم في معالجة هذه الإشكالية عبر تسريع البت في المطالبات وتحويلها من مصدر للخلافات إلى أداة لتعزيز الكفاءة المالية وتحقيق وفورات ملموسة للنظام الصحي.

خارطة طريق نحو التمويل القائم على القيمة

واختتم التقرير بالتأكيد على أهمية تبني نهج تدريجي لإصلاح منظومة التمويل الصحي، يبدأ بتطبيق نماذج هجينة تجمع بين التمويل الأساسي والحوافز المرتبطة بالأداء، وصولاً إلى نماذج أكثر تقدماً تشمل المدفوعات المجمعة، والدفع لكل مريض في الأمراض المزمنة، والعقود المرتبطة بالنتائج الصحية.

وأكدت حنان العرفج أن هذا التحول التدريجي من شأنه تعزيز الثقة بين مختلف الأطراف المعنية بالقطاع الصحي، وضمان تحقيق نتائج ملموسة للمرضى من حيث جودة الرعاية واستمراريتها وفعاليتها الوقائية، بما يدعم مستهدفات التحول الصحي ويعزز استدامة القطاع على المدى الطويل.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية