في الوقت الذي كان شروق الشمس فوق قمم جبل أحد رفيدة بمنزلة مشهد جمالي يساعد على الاسترخاء كان الأب يغادر منزله صباحا بعد الإفطار لممارسة أعماله الخاصة، هذا المشهد البسيط صقل شخصية الطفل هيف منذ الصغر ولازمه طوال حياته فحتى بعد أن كبر وأصبح مليارديرًا يدير إمبراطورية اقتصادية ضخمة ظل وفيًا للاستيقاظ فجرًا وبدء العمل مبكرًا حتى رحيله منذ أيام قليلة عن عمر يناهز 80 عاما مؤكدًا واقع عبارته "البركة في البكور".
ولد هيف بن محمد بن عبود الرفيدي القحطاني في 1946 بقرية شعف لجوان التابعة لمحافظة أحد رفيدة في منطقة عسير لينتمي إلى عائلة قحطانية عريقة ولها مكانتها، وعاش طفولة بسيطة في ظل تواضع الإمكانات في تلك الحقبة خاصة أن قريته كانت معزولة بين أحضان الجبال وبيوتها الطينية اعتمدت بالكامل على وسائل بدائية دون توفر أي رفاهية وهو ما أسهم في صنع شخصية صلبة للصبي الذي ما إن أنهى دراسته الابتدائية حتى بدأ يفكر في الخروج من القرية وشق مستقبله الذي أدرك إنه لن يكون إلا في الرياض العاصمة حيث فرص العمل الكثيرة ومستوى الحياة الأفضل من حيث المال والأعمال.
الطريق إلى الرياض لم يكن سهلًا لذلك توقف الفتى أولًا في المنطقة الشرقية التي كانت تشهد آنذاك انطلاقة الطفرة النفطية ومع عدم امتلاكه أي رأسمال لم يجد أمامه سوى العمل الشاق، فبدأ حياته المهنية كسائق شاحنات وسيارات أجرة تنقل عبرها في شوارع السعودية لساعات طويلة خلف المقود، تلك المرحلة لم يتعلم خلالها الصبر وتحمل الأعمال الشاقة فقط بل كانت دراسة عملية في سوق العمل السعودي وما يحتاجه وفي بلد ناهضة وقتها أدرك الفتى أن أعمال المقاولات والبنية التحتية هي المستقبل الذي ينتظره.
لا تبحث عن الأسهم الناجحة بل الأسهم ذات القيمة، تلك القاعدة التي طبقها الملياردير وارن بافيت في تكوين ثروته هي نفسها التي اتبعها هيف بن عبود حين وصل الرياض 1976، فحي العليا الذي اختاره مقرًا لمكتبه الذي حمل اسم "مؤسسة هيف للتجارة والمقاولات" لم يكن سوى أرض فضاء على أطراف العاصمة ويهرب منه المستثمرون لدرجة تسميته بـ"حي الحسايف" أي الندم لأن كل من أشترى فيه في تلك الفترة تحسف إنه أشترى. أما الرواية الثانية تقول إن كل من لم يشتري فيه تحسف في الأخير. لكن ما رآه المقاول الصاعد هيف بأن العاصمة تتمدد شمالًا وأن المستقبل لتلك الصحراء التي تحولت بعد عقود قليلة إلى أحد أرقى وأغلى مراكز المال والأعمال في العاصمة.
ساعد هيف بن عبود أيضًا نظام المقاولات وقتها الذي كان لا يحتاج إلى أي رأس مال إذ كان المتبع أن يكتفي المقاول بتقديم تراخيص أولية والنزول بنفسه للإشراف الميداني على المواقع معتمدًا على تأمين مواد البناء بالآجل من الموردين، وتدوير أرباح المشروع الأول لتغطية تكاليف الذي يليه مستفيدًا من تسهيلات، ورغم أن مقاولين كثيرين انخرطوا في المسار نفسه لكن ما ميز ابن عبود أنه بعد عامين أسس أولى مصانع الخرسانة التابعة له بعد استشعار حاجة السوق لذلك.
هذه الخطوة دفعت به إلى الفوز بأولى المشاريع الحكومية ليتحول هيف من مجرد مقاول إلى صاحب بصمة في البنية التحتية بمختلف أنحاء السعودية بداية من صوامع الغلال ومطاحن الدقيق في مكة المكرمة ومرورًا بشبكات المياه والصرف الصحي ومد الطرق الحيوية في مناطق أخرى وهو ما أسفر عن تحويل مؤسسته إلى إمبراطورية كبيرة تمددت حتى وصلت إلى القطاع الفندقي والسياحي بامتلاكه فنادق مثل "جدة هيلتون" و"قصر الشرق"، وفي عام 2010 تحولت المؤسسة إلى شركة قابضة مساهمة.
قلة من الرجال الذين أتيح لهم أن يشهدوا ولادة الرياض الأولى ونهضتها الثانية وهذا انطبق على هيف بن عبود الذي أعادت له الرؤية شبابه مرة أخرى فانخرط في مشاريعها ليصبح شريكًا إستراتيجيًا في الإعمار وامتدت بصمته إلى صياغة معالم نيوم وتشييد البنية التحتية لمدينة القدية وإعادة إحياء بوابة التاريخ بالدرعية إلى جانب مشاريع التطوير السكني مع روشن للتطوير العقاري والمساهمة في مشروع البحر الأحمر السياحي وحديقة الملك سلمان.
بجانب حياته العملية لم يشاهد العامة رجل الأعمال الراحل هيف بن عبود إلا في مكانين. أولهما مهرجانات الإبل وهو الذي فتن به واعتبره موروثا وامتدادا لسيرة أجداده. كما يصنف ضمن الجيل الذهبي في مهرجانات الإبل بعد أن فاز لأول مرة بجائزة الملك عبد العزيز لمزايين الإبل عام 2000 وتوجت مسيرته في 2008 حين حصد جوائز نخبة النخبة في 3 ألوان دفعة واحدة "الوضح، المجاهيم والشعل" وفازت ناقته بلقب أجمل ناقة حمراء في الجزيرة العربية، وقد أهدى الجوائز إلى الأمير الراحل بندر بن عبد العزيز والذي ربطته به علاقة عمل سرعان ما تحولت إلى صداقة عميقة.
بينما المكان الثاني هو ساحات العمل الخيري التي طبق فيها ابن عبود القطحاني قاعدة الاستثمار في البشر مربح أيضًا فكان عضوًا مؤسسًا لمركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة لدعم الأطفال وكذلك في مجلس نظارة أوقاف جامعة الملك خالد بالمنطقة الجنوبية، كما شيد مبنى استثماري وقفي كامل يحمل اسمه لمصلحة بحوث الجامعة وطلابها في أبها وكان أهالي عسير ضمن من لهم الأولوية عنده في تمويل الإسكان الخيري ورعاية الأيتام.
مسيرة هيف بن عبود القحطاني لم تكن مسيرة تخصه وحده فهو معبر عن عزيمة رجال المملكة العصاميين الذين بدأوا من الصفر وأسهموا في تنمية وطنهم لأكثر من 50 عامًا، لذلك لم يكن غريبًا أن ينعاه ويشارك في عزائه رجالات الدولة ونخبة من المثقفين والاقتصاديين والأكاديميين في الوقت الذي نعاه فيه أيضًا موظفين شركته الذين حولوا منصة إكس إلى ساحة عزاء أخرى ومنهم موظف أجنبي كتب قائلًا "قضيت 26 عامًا أعمل في شركة هيف وهو أكثر من نصف عمري وأشهد أن مواقفه مع الموظفين رائعة وإنسانية لأقصى درجة".

