في تحول يظهر التحديات الهيكلية التي تواجه منصات التشارك الرقمي في إفريقيا، أوقفت شركة "أوبر" نشاطها في نيجيريا وأوغندا ابتداء من 2 سبتمبر الجاري، لتنهي بذلك حضورا استثماريا استمر 12 عاما في السوق النيجيرية و10 أعوام في أوغندا.
وعزت الشركة القرار إلى نتائج مراجعة لكفاءة عملياتها التشغيلية، مؤكدة أن تقليص نشاطها لا يعني خروجا تاما من السوق الإفريقية، فهي لا تزال تواصل تقديم خدماتها في 4 أسواق رئيسية، هي: مصر وجنوب إفريقيا وغانا وكينيا.
يبرز الخروج المتزامن من السوقين مسارا متسارعا من الانكماش الإقليمي للشركة، فقد سبق لها أن أوقفت نشاطها في كوت ديفوار في سبتمبر 2025، بعد 6 أعوام من العمل، لتتبعه بالانسحاب من تنزانيا في يناير الماضي، ما يرفع إجمالي الأسواق الإفريقية التي غادرتها إلى 4 في غضون عام واحد.
عقبات هيكلية معقدة
رغم أن نيجيريا تشكل سوقا ضخمة للتنقل يُقدر حجمها بنحو 450 مليون دولار حاليا، مع توقعات بوصولها إلى مليار دولار بحلول عام 2032، فقد اصطدمت عمليات "أوبر" بعقبات هيكلية معقدة، في مقدمتها الضغوط الاقتصادية المترتبة عن قرار إلغاء دعم الوقود، ما تسبب في ارتفاع التكاليف، وتفاقم الخلافات مع السائقين بشأن نسب العمولات المقتطعة من أرباحهم.
لم تقتصر العقبات على الضغوط المالية، بل امتدت إلى البيئة التشغيلية والتنظيمية، حيث ارتفعت حدة القيود التنظيمية في أسواق عدة تقدمتها كوت ديفوار. وتفاقم هذا الجمود أكثر مع تمسك "أوبر" بنظام التسويات الأسبوعية، وهو ما يتعارض جذريا مع خصائص الأسواق الناشئة القائمة على السيولة النقدية والمتحصلات اليومية للسائقين.
أمام هذه الفجوة الهيكلية، لم تشفع شهرة العلامة التجارية الشركة في حماية حصتها السوقية من المنافسين المحليين والإقليميين، ممن أظهروا تكيفا أسرع مع واقع السوق الإفريقية، إذ عززت منصات مثل: "سيف بودا" و"فاراس" و"يانجو" حضورها في نيجيريا، بينما وسّعت "بوليت" قاعدتها في أوغندا بضم آلاف السائقين بفضل مرونة نموذج عملها.
يرافق هذا الانكماش الجغرافي تحول إستراتيجي يعيد تخصيص استثمارات بمليارات الدولارات نحو قيادة ثورة "الروبوت تاكسي" والمركبات ذاتية القيادة، حيث ألغت الشركة 3300 وظيفة على المستوى العالمي؛ أي ما يعادل 10% من إجمالي قوتها العاملة، لتسجل بذلك إحدى أضخم عمليات إعادة الهيكلة في تاريخها منذ تداعيات جائحة كوفيد 19.
وهذا ما أكده دارا خسروشاهي، الرئيس التنفيذي للشركة، في رسالة وجهها إلى الموظفين، إذ شدد على ضرورة تبسيط الهيكل التنظيمي ليكون "أبسط وأسرع". واستهدفت هذه الخطوة تقليص الطبقات الإدارية التي بلغت 7 مستويات، إلى جانب دمج الفرق المصغرة، بهدف توفير موارد مالية لإعادة ضخها في أبحاث وابتكارات القيادة الذاتية.
استثمارات تتجاوز 10 مليارات دولار
تسعى الشركة من خلال هذه التدابير التقشفية إلى تمويل التحول الإستراتيجي الأكبر في مسارها، عبر الانتقال من فلسفة الأصول الخفيفة إلى ضخ استثمارات تتجاوز 10 مليارات دولار في قطاع القيادة الذاتية. وتتوزع هذه الاستثمارات – بحسب تقرير لصحفية فاينانشيال تايمز - بين 2.5 مليار دولار كحيازات أسهم في شركات التكنولوجيا المتقدمة، وأكثر من 7.5 مليار دولار المخصصة لشراء الأسطول وتشغيله.
وعلى صعيد الخطة التوسعية، تطمح الشركة إلى ترسيخ حضورها في سوق التنقل الذكي عبر نشر خدمات "الروبوت تاكسي" في 15 مدينة رئيسية خلال عام 2026، مستهدفة بناء قاعدة تشغيلية قوية تمهد الطريق لمرحلة أوسع تهدف من خلالها إلى مضاعفة نطاق خدماتها للوصول إلى 28 مدينة عالمية بحلول عام 2028.
هكذا تطوي أوبر مرحلة التوسع غير الموجه في الأسواق الناشئة، لمصلحة رهان إستراتيجي جديد يعيد توجيه الاستثمارات نحو سباق النقل الذكي القائم على الذكاء الاصطناعي؛ مع ما يفرضه من إعادة ترتيب في الأولويات بما في ذلك تقليص وجودها التقليدي، والتخلي عن حصص سوقية وملايين المستخدمين والسائقين في القارة الإفريقية.


