الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

بلغت نسبة الأتمتة في محافظة العلا 93% من خدماتها، لتعزز مكانتها بوصفها إحدى أبرز التجارب العالمية في توظيف الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لخدمة التنمية المستدامة، والحفاظ على الإرث الحضاري والبيئي، بحسب ما ذكره لـ"الاقتصادية" نائب الرئيس لقطاع الرقمية والتحليلات في الهيئة الملكية لمحافظة العلا فهد القميع.

وأشار إلى أن المحافظة حققت أعلى تقدم بين مدن العالم في مؤشر المدن الذكية العالمي لعام 2026، بصعودها 27 مرتبة دفعة واحدة.

وأكد القميع، أن التقنية في العلا لم تعد مجرد أداة لتطوير الخدمات، بل أصبحت ركيزة أساسية لحماية التراث، والمحافظة على البيئة، وتعزيز جودة الحياة، ودعم صناعة القرار من خلال البيانات والذكاء الاصطناعي.

وقال إن التحول الرقمي في العلا يقوم على توظيف أحدث التقنيات لتحقيق توازن بين التنمية والحفاظ على المقومات الطبيعية والثقافية التي تتميز بها المحافظة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.

التقنية في خدمة البيئة والتراث

أوضح القميع أن محمية شرعان الطبيعية، الممتدة على أكثر من 1500 كيلومتر مربع من الجبال والأودية، فرضت تحدياً تقنياً وبيئياً في الوقت ذاته، إذ إن إنشاء أبراج اتصالات تقليدية داخل المحمية كان سيؤثر في النظام البيئي الذي أُنشئت المحمية لحمايته.

وأشار إلى أن الهيئة تبنت حلاً مبتكراً يعتمد على طائرات مسيّرة مزودة بتقنيات الاتصال الفضائي، تقوم بالتحليق داخل المحمية لجمع البيانات الحيوية ونقلها بصورة آمنة، قبل أن تعود تلقائياً إلى قواعدها، دون أي تأثير في الحياة الفطرية أو البيئة الطبيعية.

وأضاف أن توظيف التقنية يمتد كذلك إلى حماية المواقع التراثية عبر أنظمة ذكية لمراقبة التنوع الحيوي، إلى جانب منظومة أمنية متكاملة تعتمد على التقنيات الحديثة لرصد أي تعديات أو ممارسات قد تمس الإرث الحضاري للمحافظة.

رقمنة الخدمات للسكان والزوار

بيّن القميع أن تحسين جودة الحياة لأهالي العلا وسكانها يمثل أحد المحاور الرئيسة في إستراتيجية التحول الرقمي، إذ أصبحت الخدمات البلدية في قطاعات الإسكان والسياحة والثقافة والزراعة والمياه مؤتمتة بالكامل، بما يتيح إصدار التصاريح إلكترونياً دون الحاجة إلى المراجعة الحضورية.

وأشار إلى أن "تطبيق العلا" يوفر منصة رقمية موحدة تتيح للمستفيدين التقديم على المنح التعليمية، ورفع البلاغات، والوصول إلى المعلومات العقارية والاستثمارية عبر بوابة نظم المعلومات الجغرافية.

أما الزوار، فيستفيدون من تطبيق "Experience AlUla" الذي يجمع خدمات الحجز، والمعلومات السياحية، وخطط التنقل في منصة واحدة، فيما تسهم أجهزة الاستشعار الذكية المنتشرة عند مداخل المواقع التراثية في متابعة حركة الزوار لحظياً، وإدارة الطاقة الاستيعابية للمواقع، بما يضمن تجربة سياحية سلسة مع الحفاظ على سلامة المواقع الأثرية.

قفزة عالمية في مؤشر المدن الذكية

وأوضح القميع أن هذه الجهود انعكست على المؤشرات الدولية، حيث تقدمت العلا إلى المرتبة الـ85 عالمياً في مؤشر المدن الذكية الصادر عن معهد IMD لعام 2026، محققة أكبر قفزة بين مدن العالم بصعودها 27 مرتبة مقارنة بالعام السابق.

وفيما يتعلق بالتحول المؤسسي، أكد القميع أن الهيئة الملكية لمحافظة العلا تحولت منذ عام 2018 إلى بيئة عمل شبه خالية من الورق، إذ أصبحت 93% من خدماتها الداخلية مؤتمتة بالكامل عبر منظومة متكاملة من الأنظمة الرقمية، يتصدرها نظام "iServices"، الأمر الذي أسهم في رفع كفاءة الأداء وتسريع إنجاز الأعمال وتحسين تجربة الموظفين.

حلول ذكاء اصطناعي تعمل فعلياً

أوضح أن إعلان عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي شكّل فرصة لتوسيع استخدام الحلول الذكية داخل الهيئة، حيث يجري تشغيل عدد من التطبيقات بصورة فعلية، من أبرزها نظام رصد التعديات والمخالفات باستخدام الذكاء الاصطناعي، والمساعد الذكي للموظفين "بصير"، إضافة إلى أنظمة التنبؤ بالإيرادات والأداء ربع السنوي.

وأضاف أن الهيئة تعتمد كذلك على مجموعة من المنصات الرقمية الداعمة، من بينها منصة "نوى" التي تحول الأفكار الإبداعية للموظفين إلى مبادرات تنفيذية، ومنصة أتمتة مشاريع السلامة العامة، ومنصة "NETConsent" لضمان الالتزام بالسياسات ومعايير الأمن السيبراني.

نموذج لغوي خاص بالعلا وتوأم رقمي للمحافظة

كشف القميع أن الهيئة تعمل حالياً على تطوير نموذج لغوي كبير خاص بالعلا، ليكون أساساً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي المستقبلية، بما يختصر زمن تطوير الحلول الرقمية من أشهر إلى أسابيع.

كما تدرس الهيئة توظيف تقنية "التوأم الرقمي" لإنشاء نسخة افتراضية متكاملة لمحافظة العلا، تتيح لصناع القرار محاكاة السيناريوهات التنموية واختبار المشاريع والتدخلات الحضرية رقمياً قبل تنفيذها على أرض الواقع، بما يسهم في رفع كفاءة التخطيط وتقليل المخاطر.

البيانات أساس القرار

أكد القميع أن نجاح التحول الرقمي في العلا لا يعتمد على التقنيات وحدها، بل يرتكز على منظومة متقدمة لحوكمة البيانات، تضمن جمع المعلومات من مصادر متعددة وإدارتها وفق أعلى معايير الموثوقية والأمن، بما يوفر قاعدة بيانات دقيقة تدعم اتخاذ القرارات المبنية على الأدلة.

وأشار إلى أن هذه المنظومة تتكامل مع منصة العلا للبيانات المفتوحة والمنصة الوطنية، اللتين توفران للباحثين والمستثمرين والجمهور إمكانية الوصول إلى البيانات بشفافية، بما يعزز الابتكار ويدعم الاستثمار.

القميع أكد أن تجربة العلا تقدم نموذجاً متقدماً يبرهن أن التحول الرقمي لا يتعارض مع حماية التراث والبيئة، بل يمكن أن يكون أحد أهم أدوات الحفاظ عليهما، متى ما بُنيت المنظومة الرقمية على فلسفة تضع الإنسان والتراث والطبيعة في صميم عملية التنمية، وتجعل التقنية وسيلة لتحقيق الاستدامة، لا غاية في حد ذاتها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية