لا ينتهي يوم العمل لملايين الموظفين الأمريكيين بمجرد تسجيل الخروج والعودة إلى المنزل، إذ تنتظرهم أعمال أخرى تشمل تنظيف الأرضيات، وإعداد الوجبات، ورعاية الأطفال.
ورغم عدم حصول الأسر على مقابل مالي لهذه المهام التي تحافظ على سير الحياة المنزلية، فإن تقريرًا حديثًا صادرًا عن مكتب المساءلة الحكومي الأمريكي (GAO) قدر قيمة هذا العمل بما يصل إلى 6 تريليونات دولار سنويًا، بما يعادل نحو خُمس الناتج المحلي الإجمالي.
ولا تدخل هذه الأنشطة ضمن حسابات الناتج المحلي الإجمالي لأن الأموال لا تنتقل بين طرفين مقابل تنفيذها. ومع ذلك، أظهر تقرير مكتب المساءلة الحكومي الصادر في سبتمبر أن أكثر من 87% من الأمريكيين الذين تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر يؤدون نوعًا من الأعمال المنزلية غير المدفوعة في يوم اعتيادي، بمتوسط 3.72 ساعة يقضونها يوميًا في هذه المهام.
وقالت ميستي هيغينيس، الأستاذة المشاركة في الاقتصاد والشؤون العامة بجامعة كانساس، لـ"فورتشن"، إن الاقتصاد الرسمي لن يكون قادرًا على العمل بالشكل المعتاد من دون هذه الأنشطة، موضحة أنه إذا توقفت الأسر عن إعداد الطعام ورعاية الأطفال بأنفسها، فسيتعين شراء جزء كبير من هذه الخدمات من اقتصاد الخدمات.
وأضافت أن قيمة الأموال التي يكسبها الأفراد من وظائفهم ستنخفض فعليًا، لأن تكلفة المعيشة سترتفع مع اضطرار الأسر إلى اللجوء إلى سوق العمل الرسمية لشراء تلك الخدمات.
الناتج المحلي يحتسب وظيفة ويتجاهل أخرى
يرى الاقتصاديون أهمية احتساب العمل المنزلي غير المدفوع لأنه يغير الطريقة التي يبدو بها النمو الاقتصادي عبر الزمن. ومع توسع حصول النساء على التعليم العالي والوظائف ذات الأجور المرتفعة خلال ستينيات القرن الماضي، سجل الناتج المحلي المكاسب الناتجة عن دخول النساء إلى سوق العمل، لكنه لم يأخذ في الحسبان الخسارة المقابلة في العمل المنزلي.
وبحسب نانسي فولبر، أستاذة الاقتصاد ومؤلفة كتاب «Making Care Work»، فإن ذلك أدى إلى "زيادة مصطنعة" في معدل نمو الاقتصاد.
ووجد مكتب المساءلة الحكومي هذا التباين في البيانات التاريخية، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي التقليدي بمتوسط 6.3% سنويًا خلال الفترة من 1965 إلى 2020، في حين أظهر مقياس مختلف أعده مكتب التحليل الاقتصادي ويأخذ في الحسبان العمل المنزلي، متوسط نمو بلغ 6.1% خلال الفترة نفسها.
ويغير هذا الفارق الصورة التي تعكسها البيانات عن مستوى رفاه الأسر. وأوضحت فولبر أن حصول الأسرة على راتب ثانٍ يرفع إجمالي دخلها من الناحية النظرية، لكن دخول أحد أفرادها إلى سوق العمل قد يقلل الوقت المتاح لإنجاز المهام الضرورية في المنزل، ما قد يدفع الأسرة إلى إنفاق جزء من الدخل الإضافي على خدمات كانت تؤديها بنفسها في السابق.
وقالت إن النظر فقط إلى دخول الأفراد أو دخل الأسرة، من دون احتساب العمل غير المدفوع، يعطي صورة مضللة للغاية عن مستويات المعيشة النسبية.
من يتحمل العمل غير المدفوع؟
ظل العمل غير المدفوع تاريخيًا يقع بدرجة أكبر على عاتق النساء داخل الأسر، ولم يختف هذا العبء رغم التغيرات التي طرأت على سوق العمل.
ووجد مكتب المساءلة الحكومي أن النساء شكلن 54% من الأشخاص الذين أدوا أعمالًا منزلية غير مدفوعة خلال الفترة من 2021 إلى 2024، كما أمضين وقتًا أطول من الرجال في رعاية الأطفال.
ورغم أن مزيدًا من النساء أصبحن يتفوقن في الدخل على الرجال، فإنهن ما زلن يؤدين أعمال الطهي والتنظيف في المنزل بمعدل يبلغ ضعف ما يؤديه شركاؤهن الرجال الأقل دخلًا.
وقالت هيغينيس إن الأم والنساء ما زلن يتحملن الجزء الأكبر من هذا العبء غير المرئي، المتمثل في الجمع بين العمل المدفوع والتأكد من تلبية احتياجات جميع أفراد الأسرة، مضيفة أن هذه الجهود لا تظهر في البيانات، ثم يُطرح التساؤل حول أسباب شعور النساء اليوم بمزيد من الضغط والإرهاق.
وتجمع النساء بين دور المعيلات ودور المسؤولات عن إدارة المنزل، فيما يواجه 48% منهن الاحتراق الوظيفي، مقارنة بـ36% من زملائهن الرجال.
وترى فولبر أن إعطاء قيمة اقتصادية للعمل غير المدفوع لا ينبغي تفسيره على أنه دعوة للنساء إلى العودة إلى المنزل، وإنما وسيلة للمساعدة على توزيع هذا العمل بصورة أكثر عدالة.
وأضافت: "قد يميل البعض إلى الاعتقاد بأنه سيكون من الرائع العودة إلى الماضي، وأعتقد أن هذا خطأ، لأنه مهما كانت قيمة هذا العمل غير المدفوع الأجر، فإنه يُضعف تمكين المرأة."
ووفقًا لفولبر، يدعو تقرير مكتب المحاسبة الحكومي الاقتصاديين إلى "إعادة النظر في مفهوم الكفاءة". من خلال احتساب أنشطة مثل التنظيف والرعاية كجزء من إنتاجية العاملين، يتسع مفهوم الكفاءة ليشمل ما هو أبعد من مجرد إنجازاتهم الوظيفية.
وقالت: "يركز النقاش الدائر حول الإنتاجية بشكل كبير على قياس ما يقوم به الموظفون في المكتب، لكن إنتاجية رعاية الآخرين لا تقل أهمية".

