حققت وزارة السياحة في المملكة العربية السعودية خلال الأعوام الأخيرة قفزات نوعية في مسار تطوير القطاع السياحي، وذلك ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تضع السياحة كأحد أهم روافد التنويع الاقتصادي.
ويبرز برنامج “صيف السعودية 2025” بوصفه نموذجًا لنجاح الجهود الوطنية في زيادة أعداد السياح وتعزيز حضور السعودية كوجهة عالمية منافسة. فقد أعلنت الوزارة أن عدد السياح في صيف 2025 -من الداخل والخارج- تجاوز 32 مليون سائح، وهو رقم قياسي يبرز نموًا بنسبة 26% مقارنة بموسم صيف 2024.
كما بلغ حجم الإنفاق السياحي نحو 53.2 مليار ريال سعودي ، بزيادة 15% عن العام السابق . وتعد هذه النتائج ثمرة تكامل المنظومة السياحية في السعودية، التي جمعت بين الترويج للوجهات المتنوعة، وتنظيم الفعاليات العالمية، والارتقاء بجودة الخدمات السياحية.
وقد حققت منطقة عسير نموًا استثنائيًا بنسبة 49% في استقطاب السياح من دول مجلس التعاون، ما يؤكد نجاح إستراتيجيات الترويج للوجهات الجبلية والطبيعية. والمأمول أن تقوم وزارة السياحة بدور محوري في تمكين المستثمرين المحليين والدوليين، عبر مبادرات تمويلية من الصندوق السياحي تأخذ في الحسبان موسمية النشاط السياحي، بحيث يُربط التمويل بتحقيق أرقام مستهدفة في أعداد السياح أو حجم الإنفاق، ما يعزز كفاءة الاستثمارات ويضمن استدامتها.
ومن جانب آخر، أن تعمل الوزارة على تطوير أنظمة خاصة للتوظيف تستوعب الطبيعة الموسمية للقطاع، سواء من خلال تسهيل توظيف السعوديين في مواسم الذروة أو عبر تبسيط شروط الاستقدام المؤقت من الخارج، بما يضمن توافر العمالة المؤهلة في الأوقات المناسبة.
وفي سبيل تطوير التجربة السعودية، يمكن الاستفادة من النموذج الإسباني الرائد في السياحة. فقد سجلت إسبانيا في 2024 نحو 94 مليون سائح، بإيرادات بلغت 126 مليار يورو، أي ما يعادل 12.3% من الناتج المحلي الإجمالي. وتُظهر التجربة الإسبانية أهمية الجمع بين تنوع الوجهات، والمرونة في استقطاب العمالة الموسمية من مختلف دول أوروبا، وهو ما مكنها من تشغيل المناطق الساحلية لـ4 أشهر بكفاءة عالية.
ومع أن إسبانيا واجهت تحديات “السياحة المفرطة”، إلا أن إدارتها للمواسم وتكامل بنيتها التحتية جعلها وجهة عالمية دائمة الجذب. بالاستناد إلى ذلك، يمكن للسعودية أن تطوّر آلية متكاملة لإدارة الموسم السياحي، تجمع بين استقطاب الاستثمارات المبتكرة وتسهيل حركة القوى العاملة الموسمية، إلى جانب وضع أهداف كمية واضحة – مثل رفع عدد السياح الدوليين وربط الدعم والتمويل بتحقيق هذه الأهداف .
هذا النهج يضمن أن تتحول السياحة من قطاع موسمي إلى صناعة متكاملة تسهم بفاعلية في الناتج المحلي وتوفر فرص عمل متنوعة. إن النتائج المميزة التي سجلها برنامج صيف السعودية 2025 تؤكد أن السعودية تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها كوجهة سياحية عالمية، قادرة على المنافسة والاستفادة من أفضل التجارب الدولية.
ومع استمرار الجهود لإطلاق مواسم جديدة – مثل موسم الشتاء المرتقب – سيبقى تطوير التشريعات والأنظمة الداعمة، إلى جانب الاستثمار في الكوادر الوطنية، ركيزة أساسية لتحقيق مستهدفات رؤية 2030 وتعظيم العوائد الاقتصادية والاجتماعية من السياحة.
رجل أعمال وكاتب اقتصادي
