تنشأ ثروات جديدة كل يوم في دبي بفضل تدفّق المواهب ورؤوس الأموال إلى المنطقة. لكن الكثير من القفزات الكبيرة في الثروات الفردية يقودها بعض من أقدم زوار المدينة.
تستفيد مجموعة مختارة من روّاد الأعمال الهنود من الروابط الثقافية والتاريخية العميقة التي تجمع شبه القارة الهندية بالخليج، لإعادة تشكيل سوق تجزئة الذهب بالمدينة الإماراتية، محوّلين قطاعاً كان يوماً متشرذماً إلى إمبراطوريات من صالات العرض الفاخرة وسلاسل التوريد المتكاملة رأسياً.
ومن سوق الذهب الشعبية إلى المراكز التجارية الراقية، تُهيمن علامات مثل "ملبار للذهب والألماس"، و"جويالوكاس"، و"مجوهرات كاليان" —وجميعها مملوكة لهنود واسعي الثراء— على مشهد المجوهرات الموجّهة للطبقة المتوسطة. ساعد ذلك مؤسسيها على بناء ثروات تجاوزت 9.5 مليار دولار، وفقاً لمؤشر "بلومبرغ للمليارديرات"، الذي يقيّم ثرواتهم للمرة الأولى.
تعديل جمركي في الهند يؤثر في مبيعات الذهب في دبي
لطالما شكّلت دبي وجهةً مفضّلة لشراء الذهب، كما يجني أباطرة القطاع اليوم ثمار قفزة في أعداد الوافدين من جنوب آسيا، وتدفّق السياح، والارتباط الثقافي بالمعدن النفيس، ما أتاح لهم بناء شبكات بيع بالتجزئة تمتد عبر عشرات المتاجر.
وبحسب بيانات حكومية، استقبلت دولة الإمارات 7.2 مليون هندي في عام 2023، وهو العدد الأعلى على مستوى الشرق الأوسط. ويقيم فيها أكثر من 3.5 مليون هندي، وفقاً لوزارة الشؤون الخارجية الهندية، في امتداد لعقود من الروابط بين البلدين.
غير أن هذا الزخم في المبيعات يواجه تحديات نتيجة تعديلات في القواعد التنظيمية داخل الهند، إذ خفّضت نيودلهي العام الماضي الرسوم الجمركية على واردات الذهب، ما قلّص الفارق السعري بين الشراء داخل الهند وفي الخارج، وخفّض الطلب من المشترين الهنود في الإمارات.
انخفض الطلب على المجوهرات في الإمارات بنسبة 16% من حيث الوزن خلال الربع الثاني من العام الجاري، مُقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، متأثراً بارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية وتراجع شراء السياح للذهب، لا سيما الزوار الهنود، ما انعكس سلباً على المبيعات. وربط مجلس الذهب العالمي هذا التراجع بالتعديلات الأخيرة على الرسوم الجمركية في الهند.
وقال راميش كاليانارامان، المدير التنفيذي في "مجوهرات كاليان"، المملوكة لعائلته الثرية: "معظم عملائنا من الهنود، يليهم أبناء جاليات أخرى من جنوب آسيا، إلى جانب بعض من المواطنين العرب".
لطالما كانت السياسات المالية في الهند متقلبة فيما يخصّ بالذهب، إلا أن التوجّه الحالي مرشّح للاستمرار لفترة طويلة، بحسب أنينديا بانيرجي، رئيس أبحاث السلع والعملات في "كوتاك سيكيوريتيز" (Kotak Securities).
الإمارات تتصدّر دول العالم في الطلب على الذهب للفرد
سجّلت دولة الإمارات أعلى معدل طلب على الذهب للفرد عالمياً خلال العام الماضي، بواقع 4.4 جرام، وفقاً لمجلس الذهب العالمي. ويُفضّل العديد من السياح والوافدين الهنود اقتناء المعدن النفيس كوسيلة للتحوّط الاستثماري، فيما يستخدمه آخرون على شكل سبائك وعملات معدنية كأداة للادخار، فضلاً عن شرائه كمجوهرات لمناسبات الزفاف والمهرجانات الدينية.
وقال راميش كاليانارامان "في السابق، كان الناس يشترون المجوهرات مرّة واحدة في السنة، أما اليوم فأصبح الشراء يتكرّر ثلاث أو أربع مرات سنوياً، لأنهم باتوا يختارون القطع بحسب المناسبة التي سيرتدونها فيها".
دخلت "مجوهرات كاليان" سوق الخليج عام 2013، وتدير حالياً 36 متجراً في المنطقة. وقد سجّلت إيرادات بقيمة 369 مليون دولار من الشرق الأوسط خلال السنة المالية المنتهية في 31 مارس، بزيادة 22% مقارنة بالفترة المقابلة، وفقاً لبيانات الشركة.
وأشار كاليانارامان إلى أن الشركة قد تدرس توسيع عملياتها التصنيعية في دبي، كخيار لمواجهة الرسوم الجمركية الأمريكية.
تأسست "جويالوكاس" كمحل مجوهرات صغير في ولاية كيرالا الهندية، قبل أن تتحوّل إلى علامة تجزئة كبرى، وكانت افتتحت أول صالة عرض لها في الإمارات عام 1988، ثم توسّعت لاحقاً إلى قطر وسلطنة عُمان. وتدير الشركة اليوم 50 متجراً في منطقة الشرق الأوسط، منها 28 متجراً في الإمارات وحدها.
وقال رئيس مجلس الإدارة، جوي ألوكاس "عندما وصلت إلى دبي عام 1986، رأيت آفاقاً رحبة في حين رأى الآخرون قيوداً".
أما "ملبار"، فلديها 67 فرعاً في الإمارات، و17 متجراً في السعودية، إلى جانب 39 فرعاً في عُمان وقطر والبحرين والكويت. وقد أسّسها رائد الأعمال الهندي إم. بي. أحمد، الذي بدأ مسيرته في تجارة التوابل. وقد افتتحت الشركة أول متجر لها في الشرق الأوسط عام 2008.
صفقات استحواذ تلوح في الأفق
بدأت بعض الصفقات تشقّ طريقها في هذا القطاع، إذ وافقت شركة "تايتان" (Titan)، وهي وحدة الساعات والمجوهرات التابعة لمجموعة "تاتا"، خلال الصيف على الاستحواذ على حصة مسيطرة في أنشطة مجوهرات "داماس إنترناشيونال" بمنطقة الخليج. وتدير "تايتان" سلسلة متاجر "تانيشك" (Tanishq) المنتشرة في الإمارات وقطر وسلطنة عُمان.
ورغم أن خفض الرسوم الجمركية في الهند قلّص الفارق السعري بين السوق المحلية وسوق الإمارات، إلا أن ذلك لم يُحدث تأثيراً جوهرياً على أعمال "ملبار"، بحسب متحدّث باسم الشركة، الذي أوضح أن كثيراً من الهنود لا يزالون ينظرون إلى الإمارات كوجهة موثوقة لشراء الذهب عالي الجودة، بخلاف وجهات أخرى.
كما تتمتع الشركات الثلاث، "ملبار"، و"جويالوكاس"، و"كاليان"، بحضور قوي في السوق الهندية، ما يمكّنها من التحوّط من أي تباطؤ في الأسواق الخارجية.
ويرى البعض أن السوق لا تزال بها فرص للنمو. فقد أطلقت "ملبار" مؤخراً علامة "مجوهراتي" لسوق التجزئة مصممة خصيصاً لتلبية أذواق العملاء العرب.
وقال أندرو نايلور، رئيس شؤون الشرق الأوسط والسياسات العامة في مجلس الذهب العالمي: "على تجّار المجوهرات الاستمرار في الابتكار من حيث التصميم، لضمان جذب شرائح أوسع من السكان، وتلبية تنوّع الجنسيات التي تقيم أو تزور الإمارات والمنطقة".

