الثلاثاء, 28 يوليو 2026|12 صَفَر 1448
الاقتصادية

فكرت حكومة حزب العمال في المملكة المتحدة بجدية في الاستثمار العام اللازم لإعادة الاقتصاد إلى مساره الصحيح بعد 14 عاما من التقشف، وإهمال البنية الأساسية الاجتماعية، وهروب رؤوس الأموال بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والظروف الاقتصادية غير المستقرة. وهي تدرك أن الوضع يتطلب استراتيجية جديدة للتصدي للمشكلات الضخمة مثل الفقر بين الأطفال، وفجوات التفاوت في مجال الصحة، وضعف القاعدة الصناعية، والبنية الأساسية العامة المتعثرة.

ولكن كيف يجب أن تبدو هذه الاستراتيجية؟ تُعد "ورقة الاستراتيجية الصناعية الخضراء" الصادرة مؤخرا عن وزارة الأعمال والتجارة البريطانية بعنوان "استثمر 2035" بداية واعدة. مع ذلك، في ردي الخاص خلال فترة المشاورات العامة، شددت على أن الاستراتيجية الصناعية يجب أن تتمحور حول "مهام" رئيسية مثل تحقيق هدف خفض صافي الانبعاثات إلى الصِـفر، بدلا من التركيز على قطاعات بعينها، كما يبدو أن الحكومة تفعل الآن. وفي حين حددت الحكومة لنفسها خمس "مهام"، فإن هذه المهام تبدو أقرب إلى أهداف مع بعض الغايات، بدلا من كونها محورية في طريقة عمل الحكومة والصناعة معا.

لكي يتمكن حزب العمال من تحقيق أجندته، يتعين عليه أن يتصور الشراكات بين القطاعين العام والخاص على النحو الصحيح. تاريخيا، كان التعاون بين القطاعين العام والخاص في المملكة المتحدة ينطوي على مبالغة الدولة في الدفع، وتقصير القطاع الخاص في الإنجاز. على سبيل المثال، في أعقاب الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، منحت الحكومة سرا شركة نيسان مبلغ 61 مليون جنيه إسترليني (76 مليون دولار) لبناء سيارات جديدة في المملكة المتحدة. ولكن مع ذلك تخلت نيسان عن التوسع المخطط له في مصنعها في سندرلاند، ولم تتحقق الوظائف الموعودة قَـط.

على نحو مماثل، في إطار خطط "مبادرة التمويل الخاص" الفاشلة في تسعينيات القرن العشرين، كانت الدولة تدفع مبالغ ضخمة لمقاولين من القطاع الخاص لتشغيل الخدمات العامة مثل السجون، والمدارس، والمستشفيات قبل إعادتها إلى الدولة، وغالبا في حالة سيئة ودون أي تحسن واضح للخدمة.

استُخدم هذا النهج على نطاق واسع في بناء مستشفيات هيئة الخدمات الصحية الوطنية، حيث تولد عن أول 15 عقدا منها 45 مليون جنيه إسترليني كرسوم ــ نحو 4% من القيمة الرأسمالية للصفقات ــ لصالح مستشارين في القطاعين العام والخاص. وأظهر تحليل صادر عن وزارة الخزانة في المملكة المتحدة في وقت لاحق أن التكاليف العامة المترتبة على مبادرة التمويل الخاص كانت ضعف تكاليف الاقتراض الحكومي.

لحسن الحظ، حققت شراكات عديدة بين القطاعين العام والخاص على مستوى العالم نتائج أكثر إيجابية. إذ يقدم بنك التنمية الوطني الألماني KfW قروضا بفوائد منخفضة إلى الشركات التي توافق على إزالة الكربون. على نحو مماثل، كانت خطة إنقاذ الحكومة الفرنسية للخطوط الجوية الفرنسية أثناء جائحة كوفيد-19 مشروطة بقيام شركة الطيران الفرنسية بالحد من الانبعاثات لكل راكب وتقليل الرحلات الداخلية؛ على النقيض من ذلك، أنقذت المملكة المتحدة شركة easyJet دون فرض أي شروط.

في الولايات المتحدة، اشترط قانون الرقائق الإلكترونية والعلوم على الشركات المستفيدة من الأموال العامة الالتزام بخطط تنمية العمل المناخي وقوة العمل، وتوفير رعاية الأطفال، ودفع الأجر الكافي لتلبية احتياجات المعيشة. والقانون يُعطى الأفضلية للشركات التي تعيد استثمار الأرباح بدلا من استخدامها لإعادة شراء الأسهم.

تتمتع المملكة المتحدة ببعض الخبرة في تشكيل الأسواق حول أهداف واضحة. في تطوير لقاح أكسفورد/أسترازينيكا ضد كوفيد-19، استخدمت الحكومة نموذج تقاسم المخاطر والمكافآت حيث قدمت 95% من التمويل مقابل التزامات بعينها من جانب الشركة. وبهذا كان لزاما على شركة أسترازينيكا أن توفر أول 100 مليون جرعة للمملكة المتحدة وتسمح للحكومة بالتبرع باللقاحات الفائضة وإعادة تخصيصها.

من خلال استراتيجية موجهة نحو تحقيق المهام، تستطيع حكومة حزب العمال توسيع نطاق وتنظيم هذا النوع من المشاركة بين القطاعين العام والخاص. بدلا من كونها "مؤيدة بلا تحفظ للأعمال"، كما تدعي في ورقتها الخضراء، ينبغي للحكومة أن تضمن أن الاستثمار العام يسعى إلى تحقيق أهداف واضحة: حشد رأس المال الخاص، وخلق أسواق جديدة، وزيادة القدرة التنافسية في الأمد البعيد.

في النهاية، يتعين على حكومة المملكة المتحدة أن تتحول من نهج قطاعي إلى نهج موجه نحو تحقيق المهام، يتبنى شكلا واثقا وموجها نحو تحقيق النتائج من أشكال الشراكة بين القطاعين العام والخاص، على النحو الذي يحفز القطاع الخاص على القيام بدوره. يتفهم حزب العمال المشكلة، لكن الحل الذي يقترحه لا يزال في احتياج إلى بعض العمل.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية