السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تتولى المجر بقيادة رئيس الوزراء فيكتور أوربان، الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، منذ مطلع يوليو حتى نهاية العام، ما أثار مخاوف لدى رجال السياسة والاقتصاد في الأوساط الأوروبية، بالنظر إلى ممارسات سابقة من بودابست عرقلت الإجماع غير مرة داخل الاتحاد الأوروبي.

حرصت المجر من جهتها، على طمأنة الشركاء الأوروبيين، أن تعديلا في أجندة السياسات الأوروبية غير وارد. فهذه المهمة سبق للمجر أن اضطلعت بها، لمدة ستة أشهر، بداية عام 2011. وهذا ما أكده رئيس الوزراء، قبل تسلم الرئاسة، بقوله: "بعد تقلدنا هذا المنصب بالفعل عام 2011، لا ينبغي لنا أن نبالغ في تقدير هذه الرئاسة".

كلام يبقى بلا صدى على أرض الواقع، رغم أن بلاده ترفع خلال الرئاسة شعار "لنجعل أوروبا عظيمة مرة أخرى"؛ في استنساخ لشعار حملة دونالد ترامب عام 2016، تأكيدا على دعم الوحدة الأوروبية، ودرء لوابل من الاتهامات بالسعي عبر سياساتها إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي.

الزعيم المجري قام بشكل فاجأ بقية الشركاء في النادي الأوروبي، بجولة خاطفة، شملت كلا من أوكرانيا وروسيا وأذربيجان والصين، فالولايات المتحدة لحضور أشغال قمة الناتو، تم تصنيفها في خانة "مهمة سلام".

أظهرت الجولة أوربان بصورة القائد الأوروبي الوحيد الذي تموقع في قلب اللعبة الدبلوماسية الدولية، بقدرته على التحدث مع كافة الأطراف. في المقابل، أحدث ظهوره في موسكو، رفقة فلاديمير بوتين، صدعا في موقف القادة الأوروبيين 27 المتحديين، بشأن المسألة الأوكرانية.

خطوة أثارت استياء كبيرا لدى الأوربيين، فهي مؤشر إلى انعدام الشفافية، وغياب التنسيق والتشاور. كما استنكروا خروجه عن الموقف الأوروبي الموحد، بدعوته كييف إلى وقف إطلاق النار لإطلاق مفاوضات السلام مع موسكو، معتبرين أن الرجل في هذه الجولة يمثل بلاده فقط.

وشدد جوسيب بوريل؛ كبير الدبلوماسيين الأوروبيين، الإثنين الماضي، على كون المجر ملتزمة بالمادة 24.3 من معاهدات الاتحاد، التي تفرض على الدول الأعضاء دعم السياسة الخارجية للكتلة الأوروبية، "كل دولة عضو تتمتع بالسيادة فيما يخص سياستها الخارجية، وهذا حق. لكن هذا لا يلغي أنه يجب عليها الامتثال للمعاهدات. وهذه مسألة غير قابلة للتفاوض".

زيارة بكين بدورها، أثارت حنق الأوروبيين، فقد جاءت بعد شهرين فقط من زيارة شي جين بينج إلى بودابست، وتوجت بتوقيع 18 اتفاقية تعاون بين البلدين، ورفع العلاقات الثنائية إلى أعلى مستوياتها، بإعلان "الشراكة الإستراتيجية الشاملة"، لتصبح المجر رابع دولة في قائمة تضم بيلاروسيا وباكستان وفنزويلا.

خلال 2023، شكلت استثمارات بكين في المجر 3/4 من إجمالي الاستثمار الأجنبي هناك، كما عادل استثمارها هناك استثماراتها في بقية الدول الأوروبية مجتمعة.

هكذا، تتحول بودابست إلى "بوابة" الصين إلى الاتحاد الأوروبي، ولا سيما مع انكشاف معالم الاختراق بالاستثمار في البنية التحية، مثل خط السكك الحديدية بين المجر وصربيا، وتصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، حتى تضمن لشركاتها العمل من دون المخاطرة بالخضوع للتعريفات الأوروبية.

ناهيك عن النفود الإعلامي الصيني في الشرق الأوروبي، فأربع اتفاقيات تعاون ثنائي، تتعلق بالتعاون الإعلامي، ما يعني أن بكين عازمة على تشكيل الخطاب العام في المجر، وقد يمتد ليشمل ربوع أوروبا الشرقية.

المجر تستخدم حق النقض بمعدل مرة في السنة أي 6 مرات خلال 6 سنوات (2016-2022)، لمنع قرارات مجلس الاتحاد الأوروبي التي تدين بكين. وعارضت باستمرار كل المبادرات التي من شأنها تقويض المصالح الاقتصادية للصين.

يبدو أن الاتحاد الأوروبي في وضع لا يحسد عليه، بعدما تولى مناوئ للتوجهات الأوروبية رئاسته، ما دفعهم نحو التحرك، وعلى وجه الاستعجال، لتقييد تحركات أوربان، قبل أن يتداعى كل شيء، بإعلان جوزيب بوريل من بروكسيل، يوم الإثنين الماضي، استبعاد المجر من استضافة اجتماع وزراي، في رسالة رمزية مفادها أن الخروج عن الإجماع له عواقب وأثمان.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية