Author

لماذا يحتضن العالم عدم اليقين؟

|

اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة استراتيجيات الأعمال والشراكات الاستراتيجية.

حالة عدم اليقين التي يتحدث عنها الاقتصاديون اليوم تجمع بين اتجاهات جديدة وكلاسيكية قديمة معروفة ومن المفارقات التي يعيشها الاقتصاد العالمي أن الاتجاهات الجديدة تسير بسرعة كبيرة ومعدل نمو الناتج المحلي لا يتحرك بمعدلات توازي قوة الاتجاهات الجديدة الثورية في تغير أنماط سوق العمل والذكاء الاصطناعي والتركيز على الأنماط المعرفية مثل الابتكار الذي يندرج تحته البحث والتطوير الموجهان، وإذا ما تحدثنا هنا عن الابتكار فنحن نعني الابتكار والبحث والتطوير مجتمعة.
عليه أية حال كشفت توقعات الاقتصاديين في يناير 2024 في تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي الذي يبين أن هناك ضعفا طويل المدى في الظروف الاقتصادية واتساعا متواصلا في الاختلافات الإقليمية، وهي نفسها حالة عدم اليقين التي كانت في 2023 بسبب الأوضاع المالية الصعبة والضغوط التضخمية التي رفعت التكاليف على الدول بلا استثناء حيث توقع 56 في المائة من كبار الاقتصاديين في التقرير ضعف الاقتصاد العالمي في 2024.
ومن الأمور اللافتة أن تباين تقارير الضغوط التضخمية من حول العالم لا يزال مستمرا، ما يجعل فرص اختيار الاستثمارات المجدية صعبة ويتطلب قرارات صلبة تتحوط من المخاطر أو التخفيف منها لامتصاص الأحداث والصدمات الجيوسياسية والجيواقتصادية Geoeconomics اللاحقة، لذا صرح بعض كبار المستثمرين في دافوس أنهم يتريثون في دخول استثمارات جديدة ومنهم من سيراقب الوضع إلى بداية ومنتصف الربع الثاني.
التفسير الاقتصادي لمثل تلك الاتجاهات، يعزى إلى أن أسعار الفائدة ستظل على الأرجح عالية ولفترات طويلة على الرغم من وجود حالة تفاؤل بتراجع معدلات الفائدة، إلا أن العودة إلى أسعار معدلات منخفضة التكلفة ستكون بعيدة، فالبنوك المركزية تركز على ضبط التضخم في قائمة أولوياتها الملحة وعلى الرغم من ذلك لا يمكن التنبؤ بمسار السياسات النقدية في ظل التحديات الحالية.
من زاوية أخرى، العالم الجديد اليوم يركز على العوامل الجيواقتصادية كمنهجية وطنية وفي الوقت نفسه هناك اقتصادات مؤثرة تستهدف الوصول إلى مصالح ومكاسب سياسية عميقة ومستدامة من العوامل الجيواقتصادية فالصين والهند على ـ سبيل المثال ـ تعتمدان على الجيواقتصاد بشكل مكثف من أجل تحقيق المصالح إلا أن المسارات الجيواقتصادية تحتاج لوقت وظروف إقليمية إيجابية متصاعدة للوصول إلى نتائج مؤثرة في الأداء الاقتصادي قصير الأمد.
في النهاية هل يتوازن النمو الاقتصادي مع الابتكارات بمفهومها الشمولي في عالم مليء بالتحديات؟ إن تسارع وتيرة التغيرات التكنولوجية والابتكارات الرقمية جعل التنبؤ بالمستقبل بشكل دقيق أكثر صعوبة مع تفاقم الضغوط التضخمية والفائدة والحروب والتحولات الجيوسياسية وجميعها تضيف عدم اليقين للاقتصاد العالمي، إضافة إلى تركيز كثير من الدول على المكاسب الجيواقتصادية على المدى الطويل على حساب الأداء الاقتصادي قصير المدى، لذا ورغم من كل ما سبق، يمكننا الميل إلى أن احتضان العالم لحالة عدم اليقين ناتجة عن مرحلة ولادة اقتصاد عالمي جديد.

إنشرها