Author

تجربة «توشيبا» ودور الملكية المؤسسية

|
عضو اللجنة المالية والاقتصادية ـ مجلس الشورى

تقول نظرية الوكالة ونظرية الشركة Firm، إن الشركة عبارة عن هيكل من العقود، بين من يحمل الأخطار ومن يديرها، ويعاني من يحمل الأخطار في الشركات أخطاء من يديرها، لذلك تم تطوير أطر الحوكمة، ومن بينها التمثيل المناسب لحملة الأخطار في مجلس الإدارة، هذه نقطة جوهرية في تشكيل مجلس الإدارة، فالمسألة ليست خبراتهم فقط بل الأخطار. لذلك فشلت الاشتراكية في إنشاء الشركات العامة، ذلك أن أعضاء مجالس الإدارة لم يكن لديهم قلق بشأن كيف تقوم الإدارة بتشغيل الأموال وكيف تتعامل مع مدخلات الإنتاج كافة، قلقهم منحصر في مكافآتهم فقط. بطريقة أكثر تجريدا، فإن الشركة في الأصل هي عبارة عن عقود بين من يقدم عوامل الإنتاج ومن يديرها، من يقدم مدخلات الإنتاج هذه هم حملة الأخطار، هم الذين لديهم قلق تجاه طريقة المدير في استخدامها، لذلك تتم محاسبة المدير بشكل دقيق، وتتم مراقبة أدائه من خلال مفهوم تعظيم العائد من استخدام هذه المدخلات، وعلى هذا فإن مانحي مدخلات الإنتاج لديهم قدرة على اتخاذ قرار مهم وهو نقل مواردهم إلى شركة أخرى، أو تغيير المدير من أجل تحقيق عائد أكبر. هذه العلاقة مهمة جدا وهي خط الدفاع الأول والأهم في مواجهة الفساد وسوء استخدام الموارد من قبل إدارة أي شركة. إذا فقد عضو مجلس الإدارة هذا القلق الطبعي تجاه أخطار إدارة مدخلات الإنتاج فإنه يعد عبئا على المجلس وليس له دور واضح في حوكمة الشركة.
لقد أثبتت الدراسات أن أعضاء مجالس الإدارة الذين يصلون للمجالس بسبب خبراتهم وليس بسبب حجم الأموال التي ضحوا بها في الشركة هم الأقل تأثيرا، ولم يكن هناك إشارة ذات دلالة بأنهم استطاعوا منع الشركة من الفشل والإسهام في الانهيار، لكن على العكس من ذلك فقد ظهرت أدلة كثيرة على أن وجود أشخاص يمثلون ملكية العائلة في الشركة كان أكثر تأثيرا في منع انهيار الشركة، فالإحساس بالأخطارة المرتفع عند هذه الفئة من مانحي الأموال يساعدهم على تقييم الاستثمارات التي يقوم بها المديرون وتقييم الأداء بشكل يسهم في تعظيم المنافع لكل المساهمين، كما ظهر أن وجود ممثل للجهات المانحة أو ممثل المالك المؤسسي "ممثل أحد صناديق الاستثمار مثلا" كان عنصرا حاسما في تحقيق رقابة أفضل على أداء الإدارة، وداعما كبيرا لاستقلال المراجع الخارجي، والأهم من هذا وذاك أن وجود الممثل المؤسسي في مجلس إدارة الشركة أو المنظمة يحمي من تضخيم المكافآت بشكل غير عادل.
لقد أشرت في مقالات سابقة إلى حالات كثيرة تؤكد هذه النتيجة، لكن أكثر الحالات وضوحا هي حالة شركة توشيبا، فـ"توشيبا" كانت شركة تحت سيطرة الحكومة، وكانت "توشيبا" تعد أصلا وطنيا حيويا، لكن هذه النيات وحدها لم تكن كافية لتشفع لهذه الشركة العملاقة من الوقوع في مشكلات كبيرة منذ 2015 حتى انهيارها تماما اليوم، فلقد تم الكشف من خلال تحقيق مستقل وفقا لما نشرته "فاينانشيال تايمز" عن عمق العلاقة بين شركة توشيبا والحكومة اليابانية ورئيس الاستثمار السابق لأكبر صندوق تقاعد في العالم وتأثير هذه العلاقة في ترشيحات مجلس الإدارة العام الماضي، ولطالما شك المستثمرون في أن شركة توشيبا تتمتع بمستويات عالية إلى حد غير عادي من الحماية من قبل الحكومة اليابانية. هذه العبارات مهمة جدا، فالتدخل الواسع من قبل الحكومة اليابانية لحماية الرئيس التنفيذي للشركة، منع وبشكل صارخ باقي أعضاء مجلس الإدارة من تقييم الأخطار بشكل صريح واتخاذ قرارات واضحة بشأن تغيير الإدارة. إن هذا يشبه تعطيل المناعة الطبيعة في الجسم، ما يزيد من أخطار التعرض للأمراض الفتاكة، وهذا ما حدث لـ"توشيبا"، فالاعتقاد أنها أصل وطني وفخر صناعي جعل الحكومة اليابانية تظن أن قدرتها على اختيار وفرض وجهة نظرها على مجلس الإدارة وحماية الرئيس التنفيذي كفيلة بأن تجعل الشركة تسير نحو الأفضل وتعالج كل مشكلاتها، فلقد نجحت في ذلك طوال 145 عاما مضت، لكن ذلك لم يكن صحيحا، بل لقد تمكن الصندوق السنغافوري "صندوق سيادي مستقل" من حماية مصالحه جيدا.
تجربة "توشيبا" تسلط كثير من الضوء على أهمية دراسة آليات تشكيل مجالس الإدارات سواء في الشركات أو الصناديق الاستثمارية، وذلك قبل الاستثمار فيها، فإذا كان هناك ممثلون لصناديق ومؤسسات مستقلة، وإذا كان هناك ممثلون للعائلة، كل ذلك دليل على قدرة مجلس الإدارة على تقييم أخطار الإدارة واستثماراتها بشكل دقيق والحكم عليها بكل ثقة، والتصويت على تغيير الرئيس التنفيذي بكل شجاعة، أما إذا كان كل الأعضاء هم الخبراء أو من أقلية حملة الأسهم، فإن تقييمهم للأخطار سيكون أضعف بشكل جوهري، وتأثير الرئيس التنفيذي عليهم أكبر، وفي شركات مثل هذه فإن احتمالية تكرار تجربة "توشيبا" عالية، ولا تزال الحوكمة أكثر عمقا من مجرد إطار أو مجرد تمثل، بل هي تدافع حقيقي ومضادات طبيعية في جسم الشركة، وتعطيلها أو التدخل فيها هو خطر جسيم.

إنشرها