الأربعاء, 26 أغسطس 2026|12 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

اتخذت الممثلة التجارية للولايات المتحدة كاثرين تاي أخيرا إجراءات يمكن وصفها وسيلة لتمكين الصين من الاضطلاع بدور ريادي في السباق التكنولوجي العالمي ووضع معايير دولية تدفع برؤية مختلفة للتكنولوجيا والمجتمع.

ويقول كينت كونراد عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي السابق، الذي مثل ولاية نورث داكوتا في المجلس من 1986 إلى 2013، وساكسبي شامبليس العضو الجمهوري السابق، الذي مثل جورجيا من 2003 إلى 2015، في تقرير نشرته مجلة ناشيونال إنتريست الأمريكية: إنه مع نمو الاقتصاد العالمي رقميا بشكل متزايد، يبدو أن السياسة التجارية الأمريكية الرسمية تعود إلى النظام التناظري.

ففي قرار مربك في محادثات منظمة التجارة العالمية الأخيرة، سحبت الممثلة التجارية للولايات المتحدة بنودا تجارية رئيسة من شأنها أن تضع قواعد أساسية لقضايا القرن الـ21 المهمة، مثل تدفقات البيانات عبر الحدود وتوطين البيانات وعمليات نقل شفرة المصدر.

ويرى كونراد وشامبليس أن هذا القرار "قصير النظر" يهدد بتقويض ريادة أمريكا العالمية في مجال التكنولوجيا وخنق الإبداع وريادة الأعمال، ومنح الصين ميزة حاسمة في منعطف حرج، وفقا لـ"الألمانية".

وقالا: إن التجارة الرقمية هي شريان الحياة للاقتصاد الجديد، حيث تدعم ملايين الوظائف الأمريكية، وتمثل 55 في المائة من صادرات الولايات المتحدة من الخدمات التجارية، وتسهم بمليارات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي.

وسواء كان الأمر في مجال التمويل أو الرعاية الصحية أو التصنيع أو البيع بالتجزئة أو النقل، فإن الاتصال الرقمي يمكن الشركات الكبيرة والصغيرة من الوصول إلى الأسواق العالمية والتعاون عبر الحدود وبناء تقنيات الغد.

وعلى مدى عقود، قادت الولايات المتحدة العالم في مجال الابتكار، وكانت في طليعة الاقتصاد الرقمي. ويرى كونراد وشامبليس أن هذا "كان مفيدا للغاية لأعمالنا وعمالنا واقتصادنا بشكل عام. ومع ذلك، لا يمكننا أن نأخذ موقفنا القيادي كأمر مسلم به. ولضمان حفاظ الولايات المتحدة على مكانتها، يجب علينا تعزيز اقتصاد رقمي عالمي عادل ومفتوح تحكمه قواعد تعكس قيمنا وتحفز الابتكار وريادة الأعمال".

وهذا هو السبب في أن الإدارات المتعاقبة، الجمهورية والديمقراطية على حد سواء، دعمت بحق القواعد الدولية التي تمكن من تدفق البيانات عبر الحدود، ومعارضة التخزين المحلي الإلزامي للبيانات، ومنع عمليات النقل الاجباري لشفرة مصدر البرمجيات.

ويرى كونراد وشامبليس أنه من خلال التراجع عن هذه المقترحات الحاسمة، يقوض مكتب الممثلة التجارية الأمريكية موقف أمريكا في تشكيل القواعد الرقمية للطريق الذي سيحكم الجوانب الأساسية للاقتصاد الأمريكي. وستحدد هذه القواعد كيفية انتقال البيانات عبر الحدود، وكيف تعمل الشركات في المجال الرقمي، وكيف تتم حماية الملكية الفكرية في عالم الإنترنت. إن قرار الممثلة التجارية الأمريكية بالتخلي عن هذه المبادئ سيترك الولايات المتحدة في وضع غير موات في التفاوض على هذه القواعد الحاسمة.

ويقول كونراد وشامبليس: إنه دون ضمانات بتدفق البيانات المفتوحة إلى الخارج، ستواجه الشركات الأمريكية تكاليف تشغيلية أعلى، ووصولا أضيق إلى السوق وفرصا متناقصة جراء التضييق على الابتكار. ويضر هذا الشركات الصغيرة ورجال الأعمال بشكل خاص لأن الاتصال الرقمي يوفر الوصول إلى العملاء في الخارج. وبالمثل، تمثل تفويضات توطين البيانات مخاطر وتكاليف أمنية، لأن الشركات الأمريكية قد تضطر إلى تكرار مراكز البيانات المكلفة في كل دولة أجنبية.

وعد كونراد وشامبليس أن هذه المتطلبات تسمح لبعض الأنظمة بالوصول المباشر إلى البيانات التجارية الحساسة عن المواطنين والشركات الأمريكية. كما يمكن لعمليات النقل الاجباري لشفرة المصدر أن تمكن الجهات الفاعلة الأجنبية، خاصة لصوص الإنترنت في الدول المعادية، وتحديدا الصين وروسيا، من استغلال نقاط الضعف وسرقة الملكية الفكرية.

وستكون عواقب هذه الخطوة عميقة. وعلى الصعيد المحلي، قد يؤدي القرار المضلل الذي اتخذه مكتب الممثلة التجارية الأمريكية إلى إلغاء وظائف وتقويض الإبداع ورفع الأسعار بالنسبة للمستهلكين وإعاقة قدرة الشركات الأمريكية على النمو والاستثمار في المجتمعات.

ومن منظور استراتيجي أوسع، يمكن لإجراءات مكتب الممثلة التجارية الأمريكية أن تمكن الصين من القيام بدور قيادي في سباق التكنولوجيا العالمي وصياغة المعايير الدولية التي تقدم رؤية مختلفة تماما للتكنولوجيا والمجتمع، رؤية تتمحور حول الرقابة والاستبداد. ودون شك، تنتظر الصين بفارغ الصبر الثغرات التي يوفرها هذا القرار.

وعلى مدى أعوام العقد الماضي، جعلت بكين الفوز في سباق التكنولوجيا العالمي وريادة تقنيات الجيل التالي أولوية وطنية قصوى، خاصة الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والتكنولوجيا الحيوية، التي تعد بتحويل كل جانب من جوانب المجتمع بشكل جذري.

وعلى هذا النحو استثمرت المليارات في إعانات الدعم الحكومية لتعزيز موقف الشركات الصينية، خاصة في تقنيات الجيل التالي الحيوية للقوة الاقتصادية والعسكرية، بحسب كونراد وشامبليس. لقد أعطى مكتب الممثلة التجارية الأمريكية للتو عمالقة التكنولوجيا الصينيين دفعة كبيرة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية