FINANCIAL TIMES

الاحتيال الرقمي يزداد والهند تقاوم

الاحتيال الرقمي يزداد والهند تقاوم

كانت ماريا تتنقل بين 100 مهمة صغيرة تطرأ بين استيقاظها وذهابها إلى العمل في مومباي، عندها بدأ هاتفها النقال يرن ولم يتوقف. قال المتصل المتكرر إنه من فودافون، الشركة المزودة لشبكتها - وأنها إذا لم تقدم له وثائق تثبت هويتها الآن فستحظر بطاقتها إس أي إم Sim.
كانت الموظفة المكتبية التي تبلغ من العمر 54 عاما، التي ذكرنا اسما آخر لها بناء على طلبها، على وشك أن تقع ضحية ضمن آلاف الهنود الذين كانوا ضحايا للاحتيال الرقمي المتطور في الأعوام الأخيرة.
لم تستطع فهم ما يقوله الصوت الأجش على الطرف الآخر من خط المكالمة وكانت اتصالاته المتكررة تؤخرها. أعطت ماريا ابنها الهاتف باستياء، الذي فعل كل ما طلبه المتصل. بعد فوات الأوان قالت ماريا "إن ذلك كان خاطئا".
في غضون 72 ساعة، أفرغ المحتالون حساب مدخراتها وسحبوا كل ما في بطاقتها الائتمانية، إذ أخذوا ما مجموعه 330 ألف روبية هندية (تساوي الآن ما يقارب أربعة آلاف دولار).
لم تسمع ماريا بمثل طرق الاحتيال هذه من قبل - ويقول خبراء إن اللصوص يفلتون بملايين الروبيات كل عام من وراء الضحايا الذين يسهل خداعهم.
قال بالسينج راجبوت، نائب مفوض الشرطة للجرائم الإلكترونية، "إن تزايد قضايا الجرائم الإلكترونية هائل". مع استخدام كثير من الهنود الهواتف الذكية والخدمات المصرفية الرقمية لأول مرة "فإن المجرمين يستغلون قلة وعيهم".
كان تطوير الهند نظام مدفوعات رقمي فائق السرعة وتبني الخدمات المصرفية عبر الإنترنت بحماس في العقد السابق هو ما جعلها في مقدمة خدمات الشمول المالي المبني على التكنولوجيا.
لكن التقدم السريع أيضا جعل وكالات إنفاذ القانون تعاني للمواكبة، والمنظمين يسارعون لتحسين التوعية المالية.
من بين قضايا الجرائم الإلكترونية المسجلة في 2021 والتي بلغت نحو 53 ألف، وفقا لآخر البيانات المتاحة، أكثر من 60 في المائة منها كانت عمليات احتيال، وفقا لمكتب سجلات الجرائم الوطني. لكن المستوى الحقيقي أعلى بكثير على الأرجح، حيث لا يبلغ عن كثير من عمليات الاحتيال الصغيرة.
ما يقارب نصف عمليات الاحتيال المرتكبة التي تضمنت 100 ألف روبية هندية (1200 دولار) أو أكثر في العام المالي الأخير صنفت ضمن عمليات احتيال "البطاقات/الإنترنت" من البنك الاحتياطي الهندي. ارتفاعا من أعلى بقليل من الثلث في 2020-2021.
أطلقت واجهة المدفوعات الموحدة في الهند في 2016 التي مكنت التحويلات المالية الفورية للأفراد والشركات. سجلت هذه الأداة ذات الشعبية الكبيرة أكثر من عشرة مليارات معاملة في أغسطس 2023 وحده، واستخدمت على نطاق واسع للمدفوعات الصغيرة للباعة في الشوارع أو الأصدقاء مثلا.
كما اكتسبت الخدمات المصرفية الرقمية زخما أيضا، خاصة بعد سحب حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي بشكل مفاجئ أوراقا نقدية معينة من التداول في 2016، ما أجبر كثيرا من الناس على فتح حسابات ليستطيعوا إيداع ما سيصبح نقدا بلا قيمة قريبا. مع نمو واجهة المدفوعات الموحدة والمصرفية الرقمية، نما الاحتيال الإلكتروني كذلك.
"إن نمو تكنولوجيا المدفوعات الرقمية حول العالم هو أداة قوية لمزيد من الشمول المالي"، كما تقول إيمي ألام، المديرة التنفيذية لحملة التوعية المالية والشمول في فاينانشيال تايمز. "لكن يأتي معها زيادة انكشاف على أشكال غير تقليدية من الاحتيال والسرقة. كلما زاد وعي الناس بالأخطار، أصبح باستطاعتهم حماية أنفسهم بشكل أفضل".
استغل المحتالون الذين استهدفوا ماريا سهولة المصرفية الرقمية ونقص وعي ضحاياهم. للوصول إلى حساباتها، تعتقد ماريا أن المحتالين أعادوا تعيين كلمة المرور، ووثقوها من خلال "كلمة السر لمرة واحدة" التي أرسلت إلى جوالها. خدع المحتالون ابنها ليجعلوه يمكنهم من نسخ بطاقة إس أي إم الخاصة بها، ما سمح لهم بالوصول إلى كلمات السر لمرة واحدة.
تواصلت ماريا مع الشرطة، التي وجهتها إلى قسم الجرائم الإلكترونية في مومباي. على الرغم من أنهم سجلوا قضيتها، لم تكن هناك متابعة. قال راجبوت إن القضايا عادة ما يتجاهلها الضباط المرهقون بالعمل، "توجد بعض الممارسات الخاطئة في الشرطة، فلا يسجلون القضايا في بعض الأحيان".
مع ذلك، الهند تقاوم. قال راجبوت إن إدارة خط المساعدة الهاتفي للجرائم الإلكترونية في ولاية ماهاراشترا، حيث تقع العاصمة المالية مومباي، قد أدى إلى تجميد ما بين 500 ألف إلى مليون روبية هندية تقريبا من المعاملات الاحتيالية في اليوم.
لكنه يضيف أن تحسين الإدراك العام بمخاطر الاحتيال مهم لمنع الجرائم من الحدوث في المقام الأول.
على الرغم من أن البنك المركزي الهندي قلل من شأن مخاطر الاحتيال لكونها تتضمن مبالغ "ضئيلة" أو عدد معاملات قليلا، فإنه أخبر "فاينانشيال تايمز" أيضا أن "وعي العملاء غير الكافي هو عامل مساهم أساسي" يمكن الاحتيال الرقمي.
يعد الأشخاص الأكبر سنا أو الذين يعيشون في المناطق الريفية تركيزا خاصا للجهود التثقيفية. وفقا لآخر استطلاع أجراه المركز الوطني للتوعية المالية عن التثقيف المالي في أنحاء البلاد، الذي اكتمل في 2019، إن الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم بين 18-29 هم أكثر مجموعة تملك معرفة مالية. في حين سجل المشاركون من المدن نتائج أفضل من نظرائهم في الريف.
إلى جانب تشديد المتطلبات التنظيمية على أنظمة المدفوعات لدى البنوك، أطلق البنك المركزي عدة "حملات توعية عامة متعددة القنوات"، وقدم تدريبا ماليا رقميا للجميع، من المعملين في ولاية أتر برديش الشمالية حتى كتيبة الفتيات في ولاية كجرات. كما يقيم أسبوعا سنويا للتثقيف المالي - كان أسبوع هذا العام تحت شعار "السلوك المالي الجيد هو ما سينقذك!".
وبنك أي سي أي سي أي هو أحد المقرضين التجاريين الذين أطلقوا حملات عبر مقاطع فيديو وبعضها تتضمن ممثلين من بوليوود.
جعلت هذه السرقة الرقمية ماريا، التي استعادت نصف مدخراتها فقط واضطرت أن تدفع لبنكها مقابل الخسائر على بطاقتها الائتمانية مصدومة جدا. قالت ماريا إن صوت رنين هاتفها كان "كالكابوس". "كنت خائفة للغاية طوال ذلك الشهر، كنت اعتقد بأن المحتالين يتصلون بي".
لكنها الآن تستخدم تجربتها لتحذر الآخرين، "لقد ثقفت أشخاصا آخرين أيضا - كنت ضحية، لذا كونوا حذرين".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES