Author

قراءة في البيان التمهيدي لميزانية 2024

|

أصدرت وزارة المالية في نهاية الشهر الماضي البيان التمهيدي لميزانية العام المقبل 1445 / 1446 الموافق 2024. أما اعتماد الميزانية، فيأتي لاحقا قبل نهاية العام، وقد يحوي تعديلات على ما جاء في هذا البيان التمهيدي، تعديلات تتلاءم مع ما يستجد من تطورات ذات علاقة بمالية الدولة. البيان التمهيدي هو عنصر أساسي من عناصر السياسات الحكومية في إعداد الميزانية وتنفيذها وشفافيتها ووضعها في إطار مالي واقتصادي شامل على المديين القصير والمتوسط.
يحوي البيان التمهيدي أهم مستهدفات المالية العامة، والمؤشرات والتطورات الاقتصادية المحلية والدولية المتوقعة المؤثرة في المالية العامة، في العام المقبل والمستقبل القريب.
وتبعا، يستعرض أبرز المخاطر المالية والاقتصادية. كما يستعرض البيان أهم المبادرات والخطط المنوي تنفيذها في العام المقبل تحت رؤية 2030.
ميزانية 2024 هي ثامن ميزانية تعد وفقا لدليل إحصاءات مالية الحكومة GFSM، الذي هو أحدث نظام عالمي في إحصاء وتنظيم وتصنيف الميزانيات العامة.
وإعداد البيان التمهيدي جاء في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي استمرارا في الموجة التضخمية. موجة كانت لها تأثيرات قوية في أوضاع ماليات الدول وسياساتها النقدية. وتزامن معها استمرار تحديات حركة السلع وإمدادها عالميا، والتوترات الجيوسياسية.
محليا، تسعى الحكومة السعودية إلى المحافظة وتقوية جهود دعم النمو الاقتصادي، عبر مجموعة واسعة من الإصلاحات والاستراتيجيات والمشاريع التنموية تحت رؤية 2030. وكل هذا أسهم في تعزيز قدرة المملكة على مواجهة التحديات التي يمر بها الاقتصاد العالمي.
يظهر هذا التعزيز، الذي أنعم الله به على هذه البلاد، في المؤشرات الاقتصادية، ونمو القطاع غير النفطي، وانخفاض معدلات البطالة والتضخم.
حسب المنهج الإحصائي السائد عالميا، متوقع أن يسجل الناتج المحلي الحقيقي هذا العام نموا بنسبة 0.03 في المائة. ومصدر بساطة النمو خفض الإنتاج النفطي المصدر لا غير. ذلك أنه متوقع أن يحقق الناتج المحلي للأنشطة غير النفطية نموا في حدود 6 في المائة. وهذا يقود إلى توضيح مشكلة في المنهج الإحصائي المستخدم عالميا.
خفض الإنتاج المصدر يعني إحصائيا أن النشاط النفطي انخفض إذا تجاهلنا ارتفاع الأسعار.
وتبعا، هذا يقلل من نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي عند تجاهل تغير الأسعار. وهذا مصدر سوء فهم في إحصاءات الناتج المحلي في الدول المصدرة للنفط، وبلادنا على رأسها.
أما للعام المقبل، فقد جاء في البيان التمهيدي توقع نمو الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة. وطبعا سيكون نمو الأنشطة غير النفطية أعلى من هذه النسبة بصورة واضحة، مع استمرار بقاء حجم صادرات النفط. وتبعا، فإن نمو الاقتصاد الوطني غير النفطي سيؤدي إلى تعزيز الإيرادات غير النفطية. يتوقع البيان التمهيدي تحقيق إيرادات هذا العام تقدر بنحو 1.18 تريليون ريال، ونحوها في العام المقبل، ومتوقع استمرار نموها في العامين التاليين، لتصل إلى نحو 1.26 تريليون ريال 2026.
أما في جانب الإنفاق، فيتوقع تحقيق تقدم ملموس في الإصلاحات الهيكلية والاقتصادية. وتبعا يتوقع توسع في الإنفاق لتسريع الإنجاز في تنفيذ الاستراتيجيات والمشاريع المناطقية والقطاعية المعتمدة أو المتوقع اعتمادها على المديين القصير والمتوسط. وتبعا، يتوقع أن يبلغ مجموع النفقات العامة نحو مليار وربع مليار ريال في هذا العام أو في العام المقبل، وأن تستمر في النمو لتصل إلى نحو 1.37 تريليون في 2026.
أما من جانب العجز في الميزانية، فيتوقع مع التوسع في الإنفاق كما سبق الحديث عنه، متوقع حصول عجز نحو 80 مليار في هذا العام، وعجز مشابه في العام المقبل. لكن مجموع العجزين يشكل نسبة بسيطة نحو 4 في المائة من حجم الناتج المحلي.
يشير بيان الميزانية إلى أن الدولة تستهدف بناء استراتيجية دين عام يقوم على تنويع أدوات التمويل من جهة، والبحث عن منهجيات تمويل جديدة، بما يساعد أولا على استدامة وتنويع مصادر التمويل، ضمن أطر مدروسة في المخاطر. كما يساعد ثانيا على تعزيز نمو القطاع المالي وتعميق سوق الدين المحلي، وتمويل البنى التحتية. ويساعد ثالثا على الحفاظ على مستويات آمنة من الاحتياطيات الحكومية.
تطرق البيان التمهيدي إلى أبرز المخاطر المالية والاقتصادية المتوقعة في العام المقبل وعلى المدى المتوسط. ويعد نمو الاقتصاد العالمي أحد العوامل الرئيسة المؤثرة في اقتصاد المملكة. ومعروف أن الاقتصاد العالمي شهد تباطؤا في النمو وموجات تضخمية، نتيجة عدة أحداث أخيرا على رأسها جائحة كورونا، ثم حصول مخاطر جيوسياسية. وتبنت بلادنا تدابير وسياسات عدة لمواجهة تلك المخاطر، من وسائل دعم وخلافها.
أخيرا، أذكر على عجالة ما جاء في البيان التمهيدي عن أهم الاستراتيجيات والمشاريع على المدى المتوسط.
أطلق قبل عام تقريبا برنامج تطوير القطاع المالي الخطة التنفيذية لاستراتيجية التقنية المالية الهادفة إلى جعل المملكة موطنا ومركزا عالميا للتقنية المالية، ضمن ركائز تطوير القطاع المالي. أطلقت أيضا في العام الماضي الاستراتيجية الوطنية للصناعة. هدفها الوصول إلى اقتصاد صناعي مرن وراسخ ومنافس وجاذب بقوة للاستثمار المحلي والعالمي، بما يدعم جهود التنويع الاقتصادي ونمو الاقتصاد غير النفطي.
كما أطلقت في العام الماضي استراتيجيات أخرى، على رأسها الاستراتيجية الوطنية، لكل من: الملكية الفكرية، والألعاب والرياضات الإلكترونية، والاستثمار والزراعة والسياحة والمياه والبيئة. أما من جانب المشاريع، فقد تطرق البيان التمهيدي إلى مشاريع صندوق الاستثمارات العامة، وصندوق التنمية الوطني. على رأس هذه المشاريع: نيوم والبحر الأحمر والقدية وبوابة الدرعية وتطوير المربع الجديد وطيران الرياض.

إنشرها