Author

في أوروبا .. التباطؤ قد يكون انتصارا

|
كاتب اقتصادي [email protected]

"خفض أسعار الفائدة ليس على جدول الأعمال"
كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي
كلما دار الحديث على الساحة الأوروبية عن انفراج اقتصادي قريب، ظهرت عقبات في الطريق نحو هذا الانفراج. والحق أن الأمر لا ينطبق على الكتلة الأوروبية، بل بات يشمل الاقتصادات المتقدمة والكبيرة الأخرى، التي تواجه -كما هو واضح تماما- حالة من عدم اليقين، ومن تشوش الصورة المستقبلية القريبة لها. فحتى الدول التي ينظر إليها كمحركات دائمة للنمو العالمي، تواجه المصاعب تلو الأخرى، وتكافح من أجل تحقيق النمو في الحدود المقبولة وليس المستهدفة، على الأقل في العام المقبل، بعد ثلاثة أعوام تقريبا من الضغوط الآتية من جائحة كورونا، وبعدها الحرب الدائرة في أوكرانيا، التي قال أنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، أخيرا، "إنه على العالم أن يتوقعها حربا طويلة جدا".
بالعودة إلى الوضع الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي عموما، وفي منطقة اليورو على وجه الخصوص، بات التشديد النقدي الأداة الوحيدة في أيدي المشرعين لمواصلة مجابهة الموجة التضخمية التي انحسرت بصورة لافتة في الأشهر القليلة الماضية، لكنها بقيت في المستوى الذي يهدد الاستقرار الاقتصادي في المنطقة المشار إليها وغيرها. مع ضرورة الإشارة إلى أن الحد الأقصى المستهدف للتضخم الذي تحدد من قبل الحكومات عند 2 في المائة، لا يمكن أن يتحقق على الأقل في النصف الأول من العقد الحالي. فحتى في أوقات "الانسيابية" الاقتصادية، إن جاز التعبير، كان هذا الهدف صعب التحقيق، فكيف الحال بأوضاع اقتصادية هشة ومتوترة في آن معا؟ من هنا، يمكن النظر إلى وتيرة النمو في المنطقة الأوروبية، التي تحاول الخروج من المأزق الحالي بأسرع ما أمكن.
يبدو حاليا أن الرهان على خفض الفائدة الأوروبية بات خاسرا على الأقل من الآن حتى منتصف العام المقبل. وهذا ما يرفع بالطبع الضغوط على الحراك الاقتصادي في منطقة اليورو. فرئيسة البنك المركزي قالت بوضوح "لم نقرر ولو نناقش، أو حتى نعلن عن تخفيضات". وقبل أيام رفع "المركزي الأوروبي" سعر الفائدة الأساس على الودائع إلى 4 في المائة للمرة العاشرة على التوالي، بما يضرب كل التوقعات السابقة التي أشارت إلى أن البنك سيجمد زيادات تكاليف الاقتراض. وكان هذا البنك الذي يرسم السياسة المالية لـ20 دولة ضمن المنطقة النقدية، من أكثر البنوك رفضا قبل عام تقريبا لرفع الفائدة عموما. فقد كانت في 2021 سالب 0.5 في المائة، واليوم تصل الفائدة إلى أعلى مستوى لها منذ إطلاق اليورو كعملة موحدة في 1999.
المخاوف الراهنة صارت منصبة على نقطة محورية، وهي تلك المرتبطة بما إذا كان اقتصاد منطقة اليورو سيدخل دائرة الركود بالفعل أم لا؟ ومن الواضح أن تأثيرات الأداء السلبي للاقتصاد الرئيسة ضمن هذه المنطقة تزيد من المسار نحو الركود. ففي الربع الثاني من العام الحالي سجل النمو 0.1 في المائة فقط، بسبب الجمود الذي طرأ على إجمالي الناتج المحلي في ألمانيا التي تتصدر قائمة أكبر الاقتصادات في أوروبا كلها، وحدث ذلك حتى بعد أن سجلت فرنسا ومعها إسبانيا نموا أعلى من المتوقع. أي إن التأثيرات الألمانية كانت أقوى حتى من مؤشرات إيجابية في دول كبيرة أيضا. واللافت أن المنطقة نفسها، خفضت قراءة النمو في الربع الثاني إلى 0.5 في المائة على أساس سنوي، قياسا بـ0.6 في المائة في القراءة السابقة.
العوامل التي أوصلت المشهد الاقتصادي الأوروبي عموما إلى هذا الوضع تنحصر في ارتفاع معدلات البطالة، كما أن إنفاق الأسر يضغط بقوة على النمو الاقتصادي عموما. وعلى هذا الأساس يمكن النظر باهتمام إلى توقعات البنك الدولي بشأن تباطؤ نمو اقتصاد منطقة اليورو في العام الجاري إلى 0.4 في المائة. وإذا ما تم ذلك، فإن المشرعين في المنطقة يمكنهم أن يتنفسوا الصعداء، لأن ذلك سيضمن للاقتصاد عدم الانزلاق نحو الانكماش أو الركود، وفي أفضل الأحوال سيبقى على تخوم هذا الأخير. فحتى في الولايات المتحدة التي حققت تقدما أسرع على صعيد مواجهة التضخم مقارنة بوتيرتها على الساحة الأوروبية، تواجه الآن مشكلة عودة التضخم إلى الارتفاع بعد أن تمكنت السلطات المختصة من خفضه إلى 3 في المائة. أي إن الانتصار على ارتفاع أسعار المستهلكين لا يزال بعيدا حتى في اقتصاد كان أداؤه أفضل.
سيواصل الاقتصاد الأوروبي عموما تحمل تبعات الحرب في أوكرانيا إلى أجل لن يكون قصيرا، على صعيد النمو ومعدلات التضخم، إلى جانب طبعا الارتفاعات الهائلة في عجز الميزانية والديون الحكومية المتصاعدة أيضا، التي باتت مؤسسات دولية، مثل صندوق النقد الدولي تنظر بقلق إليها. فالعجز في موازنات الدول الأوروبية تراكم في الواقع من جراء تكاليف جائحة كورونا، ومن سلسلة الدعم في مجال الطاقة. ومن الواضح أن هذا الدعم سيتواصل لفترة طويلة، طالما بقيت الحال على ما هي عليه في ساحة الحرب الأوكرانية. وبالتالي فإن التباطؤ الاقتصادي يمكن أن يشكل "انتصارا" للأوروبيين، لأن البديل لن يكون سوى الركود المخيف.

إنشرها