تقارير و تحليلات

لا هيمنة إلى الأبد .. العملات المشتركة تمهد لنظام نقدي متعدد الأقطاب في مواجهة الدولار

لا هيمنة إلى الأبد .. العملات المشتركة تمهد لنظام نقدي متعدد الأقطاب في مواجهة الدولار

لا هيمنة إلى الأبد .. العملات المشتركة تمهد لنظام نقدي متعدد الأقطاب في مواجهة الدولار

هل الدولار الأمريكي معرض لخطر فقدان مركزه الدولي وهيمنته العالمية؟ هذا السؤال تحديدا كان واحدا من العناوين الاقتصادية التي طرحها عدد من الخبراء الأمريكيين في الفترة الماضية استشعارا منهم بأن هناك ما يقلق بشأن الهيمنة التي يتمتع بها الدولار الأمريكي على النظام المالي العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
أغلب الإجابات كانت تحمل ما ينبئ بأن سلطان العملات لم يعد يلقى الترحيب الواجب في الاقتصاد الدولي، وأن هناك حالة من التململ العالمي بشأن ما يعده البعض "تجبرا" من الدولار الأمريكي على باقي العملات الدولية.
بالطبع تلك الأسئلة والمخاوف الأمريكية المتعلقة بشأن وضع الدولار ومستقبله لا تعد حديثة النشأة، إذ كانت دائما موجودة لدى صانع القرار الاقتصادي الأمريكي، نظرا لأن الهيمنة المالية للدولار تلعب دورا رئيسا في تعزيز سطوة الاقتصاد الأمريكي عالميا، لكن بعض الأحداث الجيو سياسية التي وقعت أخيرا كانت مبررا لإعادة طرح الأسئلة القديمة، وتحديدا ما إذا كانت هيمنة الدولار كعملة احتياطية عالمية في خطر أم لا؟.
التطور الذي أقلق بعض الخبراء في الولايات المتحدة تحديدا ودفعهم إلى إعادة طرح السؤال، كان مرتبطا باعتماد عملة برازيلية أرجنتينية مشتركة ستحمل اسم "سور" أو "الجنوب". العملة الجديدة لن تكون بديلا عن أي من عملتي البلدين، لكنها ستستخدم لتعزيز التكامل الاقتصادي بينهما ودفع التجارة البينية بين البلدين إلى الأمام. وعلى الرغم من أن فكرة العملة الموحدة يعود تاريخيا إلى ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنها ستدخل حيز التنفيذ الآن.
مخاوف الخبراء الأمريكيين تركزت على أن يؤدي نجاح العملة "سور" في جذب باقي بلدان أمريكا الجنوبية للسير في هذا المسار، وأن يدفع استخدامها إلى تقوية ودمج اقتصادات القارة، ومن ثم تخلي بلدان أمريكا الجنوبية تدريجيا عن الدولار الأمريكي في تجارتها الإقليمية، خاصة أن العملة الجديدة لن تكون بديلا عن العملات المحلية على الأقل في المرحلة الأولى من تطورها.
لكن عددا آخر من الخبراء عد أن تلك المخاوف مبالغ فيه، والاعتقاد بوجود عملة قادرة على زعزعة المكانة الفريدة التي يتمتع بها الدولار الأمريكي بين نظرائه من العملات الأخرى أمر مستبعد في الأجل المنظور.
والدولار لا يزال العملة الدولية الأولى حيث يتم تداول نصف الأوراق النقدية البالغة تريليوني دولار خارج الولايات المتحدة، وفي عديد من البلدان يمكن استخدام الدولار في التداول اليومي بديلا عن العملة المحلية، كما أن نحو 40 في المائة من ديون العالم تتم بالدولار، وهذا يعني أن الولايات المتحدة تعمل كملاذ عالمي أخير للإقراض، خاصة أن نحو 60 في المائة من احتياطات العملات العالمية بالدولار، أضف لذلك أن 90 في المائة من جميع عمليات تداول العملات الأجنبية تنطوي على الدولار.
وقال لـ"الاقتصادية" ميتشيل هامفريز الخبير المالي في بنك إنجلترا، "ليس هناك جاذبية لبدائل الدولار خارج مناطق نفوذها المحلية، والانهيار الأخير للعملات المشفرة يكشف عن مدى صعوبة مواجهة الدولار، فالاقتصاد الأمريكي بسنداته وأسهمه هو الملاذ المفضل للمستثمرين العالميين خاصة في الأوقات الاقتصادية الصعبة".
ويضيف "الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة على هذا الكوكب التي يمكنها سداد ديونها الخارجية بعملتها المحلية، وهذا يمنح كلا من الحكومة الأمريكية والشركات الأمريكية مساحة هائلة في التجارة والتمويل الدوليين، وبغض النظر عن مقدار الديون التي تدين بها الحكومة الأمريكية للمستثمرين الأجانب يمكنها ببساطة طباعة الأموال اللازمة لسدادها، بينما يتعين على الدول الأخرى شراء الدولار أو اليورو لتسديد ديونها الخارجية، والطريقة الوحيدة بالنسبة لهم للقيام بذلك إما أن يصدروا أكثر مما يستوردون أو يقترضون مزيدا من الدولارات أو اليورو من السوق الدولية، والولايات المتحدة خالية من مثل هذه القيود، ويمكن أن تعاني عجزا تجاريا كبيرا، أي تستورد أكثر مما تصدر لعقود دون عواقب".
لكن ما يراه الخبير المالي ميتشيل هامفريز كنقطة قوة للدولار ومن ثم نقطة قوة للاقتصاد الأمريكي، هي تحديدا ما تدفع كثير من الخبراء للبحث عن عملات أخرى يمكنها تحدي الدولار والإطاحة به من سدة السلطة في عالم العملات.
يعتقد البعض أن فكرة الإطاحة بالدولار من موقعه الراهن تمثل أحد الشطحات الفكرية، والأجدى العمل على الدفع باليورو لتطوير دوره العالمي بشكل أكبر، من منطلق أن ذلك سيعكس الوزن الاقتصادي والمالي لمنطقة اليورو، التي تضم 20 دولة حاليا بعد انضمام كرواتيا أخيرا إلى بلدان العملة الأوروبية الموحدة، وأن الدفع باليورو في اتجاه القيام بدور أكبر مما يقوم به حاليا في التجارة الدولية سيضمن أن يكون الاقتصاد الدولي أقل عرضة للصدمات.
بدورها، ذكرت لـ"الاقتصادية" الدكتورة إفلين جيمس أستاذة التجارة الدولية في مدرسة لندن للاقتصاد، "اليورو يمثل 20 في المائة فقط من احتياطات العملات العالمية، ومن ثم يحتل المرتبة الثانية بعد الدولار، وبينما تمثل العملة الأمريكية 41 في المائة من حجم الأموال المتداولة عبر شبكة سويفت للمعاملات بين البنوك، فإن حصة اليورو تصل إلى 36 في المائة وتلك نسبة كبيرة، لكن هذا يتم في الغالب داخل منطقة اليورو بين الدول الأعضاء في مجموعة العملة الأوروبية الموحدة، أما حصة اليورو في التجارة العالمية فهي متواضعة لا تزيد على نسبة 16 في المائة".
وتضيف "كما أن اليورو تعرض في عام 2022 لضربة قوية أمام الدولار حيث انخفض إلى ما دون التكافؤ مع العملة الأمريكية، إلا أنه عاود الارتفاع، ما أوجد أجواء من الراحة لدى الأوروبيين في حربهم مع التضخم".
وتقول: "باختصار اليورو يمتلك ولا شك مقومات لعب دور أكبر من دوره الحالي في الاقتصاد الدولي، لكن النظرة المستقبلية تجاه غير مؤكدة، نظرا لأن الاقتصاد الأوروبي ما زال في دائرة الخطر".
مع هذا يرى بعض الخبراء أنه على الرغم من الهيمنة الكلية للدولار على النظام النقدي الدولي منذ اتفاقية بريتون وودز عام 1944، بحيث لم تتمكن أي عملة أخرى من تحدي الدولار على الرغم من صعود وهبوط الاقتصاد الأمريكي سواء من حيث النمو أو التضخم، فإن الأمور تتغير خاصة مع انخفاض حصة الدولار الأمريكي في حيازات البنوك المركزية من احتياطات النقد الأجنبي من 71 في المائة عام 1999 إلى 59 في المائة العام الماضي.
وربما يتوقع البعض أن يستفيد اليورو من هذا التراجع، لأنه عملة منطقة اقتصادية بحجم قريب من الولايات المتحدة، وقد يكون اليوان الصيني الفائز المحتمل الاخر نظرا للنمو السريع الذي حققته الصين اقتصاديا على مدار العقود الثلاثة الماضية، وهي الآن ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لكن مع عملة لا تزال غير قابلة للتحويل بالكامل.
مع هذا، يرى الباحث الاقتصادي أوليفر ليمان أن منطق التفكير السائد قائم على فكرة أن الإطاحة بالدولار الأمريكي من سدة سلطة العملات التي يتمتع بها في النظام النقدي العالمي يعني أن تحل محله عمله أخرى، لكن هذا ليس ضروري أن يحدث ويمكن أن يكون بديل الدولار مجموعة من العملات وليس بالضرورة عملة واحدة.
ويقول لـ"الاقتصادية": إنه "على الرغم من الحجم الهائل لمنطقة اليورو التي تضم أكثر من 350 مليون شخص، فإن بلدان العملة الأوروبية تفتقر إلى أسواق مالية عميقة بدرجة كافية على الأقل عند مقارنتها بالولايات المتحدة، ولا تزال أسواق الائتمان والأسهم الوطنية صغيرة إلى حد ما مقارنة بالولايات المتحدة، أما بالنسبة لليوان، فإن ضوابط رأس المال منتشرة في الصين خاصة بالنسبة للتدفقات الخارجية، ولا تزال السيولة في الأسواق المالية محدودة".
مع هذا يعتقد أوليفر ليمان أن الدولار لن يستطيع التمسك بهيمنته الساحقة إلى الأبد حيث يتقلص الحجم النسبي لاقتصاده لمصلحة العملات الأخرى، لكن الاتجاه الدولي سيشهد من وجهة نظره مزيدا من التقدم في اتجاه رفع حصة اليورو واليوان في الاقتصاد الدولي، كما أن عملات الاقتصادات الناشئة مثل الروبية الهندية والريال البرازيلي، سترتفع في ترتيب العملات المستخدمة في المعاملات الدولية.
بمعنى آخر ترى وجهة النظر تلك أن الدولار سيظل مسيطرا على الاقتصاد الدولي، لكن بدرجة أقل لمصلحة دور متزايد لليورو واليوان وعملات الاقتصادات الناشئة، ما يعني عمليا الانتقال إلى نظام نقدي متعدد الأقطاب دون أن يهيمن عليه أحد، لكن الإطار الزمني لمثل هذا التغيير طويل بسبب ثبات الأسواق المالية الدولية ورغبتها الدائمة في المحافظة على الاستقرار.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من تقارير و تحليلات