بدأ الاقتصاد الصيني 2023 بقوة كبيرة، إذ أشارت الشوارع الصاخبة والمصانع الطنانة إلى أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم من المقرر أن يشهد انتعاشا أسرع من المتوقع هذا العام.
ووفقا لوكالة الأنباء الصينية "شينخوا"، بدأ المستثمرون العالميون يضخون الأموال في صناديق تتعقب الأسهم الصينية، وفي الأغلب ما تبشر اتجاهات الاستثمار باتجاه الاقتصاد.
فنظرا إلى تفاؤلهم بالفرص التي أتاحها انتعاش الصين القوي، وإيمانهم بأن البلاد ستواصل دفع النمو الاقتصادي العالمي، اتخذوا خطوات ملموسة لإظهار ثقتهم في الآفاق الاقتصادية للصين، حسبما قال مراقبون.
وأضاف المستثمرون أكثر من ملياري دولار على أساس صاف هذا العام إلى الصناديق المشتركة والمتداولة في البورصة ومقرها الولايات المتحدة، التي تشتري الأسهم الصينية، وفقا للبيانات الصادرة عن "ريفينتيف ليبر". وقد شكل ذلك خمسة أسابيع متتالية من التدفقات الوافدة، وتزامن مع خروج جماعي من صناديق الأسهم التي تركز على الولايات المتحدة.
وارتفع مؤشر "إم إس سي آي الصين"، الذي يتتبع الشركات الصينية المدرجة في الولايات المتحدة وهونج كونج والبر الرئيس الصيني، بنحو 45 في المائة عن أدنى مستوياته في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. كما ترى "جولدمان ساكس" ارتفاعا محتملا بنسبة 24 في المائة في مؤشر "إم إس سي آي الصين" بحلول نهاية 2023.
ووفقا لاستبيان بنك أوف أمريكا لآراء مديري صناديق الاستثمار لفبراير، قال 21 في المائة من المستطلعة آراؤهم إنهم يعتقدون أن الوضع الصعودي للأسهم الصينية هو عملية التداول التي تشهد أكبر تزاحم في الوقت الحالي. كما استطاعت "أسهم الصين طويلة الأجل إزاحة الدولار عن عرشه".
ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن جيسون دراهو، رئيس قسم تخصيص الأصول في الأمريكتين التابع لوحدة إدارة الثروات العالمية في "يو بي إس"، قوله: "إن قصة النمو على أساس نسبي أكثر جاذبية في الصين وأجزاء من آسيا مما هي عليه في الولايات المتحدة".
وذكرت "نيكي آسيا" في مطلع فبراير، أن "الأسهم الصينية تسجل عمليات شراء أجنبية قياسية" بعد أن حسنت البلد إجراءات الوقاية من جائحة كوفيد - 19 ومكافحتها وعدلتها.
فقد اشترى مستثمرون عالميون مثل "أبالوسا للإدارة" مزيدا من أسهم الشركات الصينية، في حين شهدت أسهم بعض الشركات متعددة الجنسيات مثل "فولكس فاجن إيه جي" وأبل، اللتين تقومان بأعمال تجارية كبيرة في الصين، ارتفاعا أيضا.
وكان المستثمرون الأجانب حريصين على اغتنام فرص التعافي الاقتصادي في الصين. فقد ذكرت وزارة التجارة الصينية أن الاستثمار الأجنبي المباشر قيد الاستخدام الفعلي في البر الرئيس الصيني، توسع 14.5 في المائة على أساس سنوي ليصل إلى 127.69 مليار يوان في يناير الماضي.
ومن حيث القيمة بالدولار، ارتفع تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر 10 في المائة على أساس سنوي ليبلغ 19.02 مليار دولار.
وذكرته شبكة "سي إن إن" الإخبارية، أن الملياردير الفرنسي برنار أرنو، الرئيس التنفيذي لشركة "إل في إم إتش" لصناعة السلع الفاخرة، قال في محادثة جماعية عبر الهاتف أخيرا: "لدينا الأسباب كلها التي تجعلنا واثقين، بل متفائلين، إزاء السوق الصينية".
وقال خبراء، إن السوق الصينية تحظى بتقدير كبير من قبل المستثمرين الأجانب، مع استمرار تزايد العوامل المسهمة في نمو الاقتصاد الصيني. وإن العالم شهد بداية سريعة للاقتصاد الصيني واستشعر انتعاشا سريعا في الدولة الشاسعة الواقعة في شرق آسيا.
جاء مؤشر مديري المشتريات لقطاع التصنيع في الصين عند مستوى 50.1 في يناير، وعاد إلى التوسع بعد ثلاثة أشهر متتالية من الانكماش. ويشير ذلك إلى تزايد التفاؤل في السوق.
خلال عطلة عيد الربيع، التي استمرت أسبوعا في الصين وانتهت 27 يناير، بلغت إيرادات السياحة الداخلية 375.8 مليار يوان (54.3 مليار دولار) بزيادة 30 في المائة عن العطلة في العام الماضي. وارتفعت الإيرادات المجمعة للأعمال الرئيسة الخاصة بالبيع بالتجزئة والمطاعم بواقع 6.8 في المائة عن عطلة عيد الربيع في العام الماضي.
كما حقق شباك تذاكر السينما في الصين أرباحا بلغت 6.76 مليار يوان (ما يقرب من مليار دولار)، وهو ثاني أعلى رقم إجمالي في العطلة السنوية.
وتسارعت وتيرة النشاط الاقتصادي في الصين في فبراير، حيث عاد عديد من السكان إلى العمل بعد عطلة ممتدة بمناسبة العام القمري الجديد، ما أدى إلى انسداد الطرق في المدن الكبرى وإنفاق المزيد مع ارتياد المطاعم والمحال التجارية، حسبما ذكرت "بلومبيرج"، التي أشارت إلى أن أحدث استطلاع لرأي المستهلكين في الصين أجرته مجموعة "يو بي إس جروب إيه جي" أظهر أيضا زيادة في تناول الطعام بالخارج والتسوق في المتاجر وأنشطة الترفيه غير الإلكترونية.
وتوقع صندوق النقد الدولي في يناير، أن ينمو الاقتصاد الصيني 5.2 في المائة في 2023، بزيادة 0.8 نقطة مئوية عن توقعاته في أكتوبر 2022.
وعدلت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني توقعاتها للنمو الاقتصادي الصيني في 2023 إلى 5 في المائة من 4.1 في المائة. كما رفع كل من بنك أوف أمريكا ومورجان ستانلي توقعاتهما إلى 5.5 في المائة، و5.7 في المائة على التوالي.
وقال عديد من المراقبين والمؤسسات، إن دور الصين "كمحرك رئيس للنمو العالمي" لم يتغير، معربين عن اعتقادهم بأن الاقتصاد الصيني المنتعش سيحقق تنمية عالية الجودة وسيضخ زخما جديدا في الانتعاش الاقتصادي العالمي.
توفر السوق الصينية فائقة الحجم طلبا مطردا للاقتصاد العالمي، حيث ارتفع إجمالي تجارتها من السلع 7.7 في المائة على أساس سنوي في 2022، متصدرة العالم لستة أعوام متتالية. وارتفعت وارداتها في 2022 بنسبة 4.3 في المائة لتصل إلى 18.1 تريليون يوان (2.62 تريليون دولار).
ويرى خيري تورك، أستاذ الاقتصاد في كلية ستيوارت للأعمال في معهد إلينوي للتكنولوجيا في شيكاغو بالولايات المتحدة، زخما في الاقتصاد الصيني.
وقال تورك، إنه عندما تعاني الدول المتقدمة ركودا عميقا، فإن "الصين فقط هي الدولة التي ستظل محركا رئيسا للنمو العالمي"، مشيرا إلى المزايا المتمثلة في وجود بنية تحتية من الدرجة الأولى وقوى عاملة عالية الجودة وسوق ضخمة في الصين.
بعد توقف دام ثلاثة أعوام بسبب جائحة كوفيد - 19، ضغطت رحلات المجموعة السياحية الصينية إلى الخارج على "زر إعادة التشغيل"، ووصلت الدفعة الأولى من السياح الصينيين إلى تايلاند وكمبوديا والإمارات، من بين دول أخرى.
ووفقا لتوقعات منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، فإن إعادة تنظيم الرحلات إلى الخارج ستعزز كثيرا انتعاش السياحة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حتى العالم بأسره.
وذكر تقرير صادر عن مؤسسة جولدمان ساكس للأبحاث في فبراير، أن تعديل الصين لاستجابتها لجائحة كوفيد - 19 لن يسرع من تعافيها الاقتصادي فحسب، بل سيعزز أيضا النمو الاقتصادي العالمي.
ونقل التقرير عن الخبيرين الاقتصاديين في بنك جولدمان جوزيف بريجز وديفيش كودناني قولهما، "إن خلفية النمو العالمي قد سطعت".
وأشار إلى أن بريجز وكودناني "يتوقعان أن تكون الآثار غير المباشرة الأوسع نطاقا للنمو الصيني - بما في ذلك الظروف المالية العالمية الأكثر ملاءمة وزيادة التجارة مع البلدان الأخرى - أكبر".

