الاثنين, 21 سبتمبر 2026|8 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

لفترة امتدت سبعة أيام، عمل الرئيس التنفيذي لإحدى الشركات العالمية لأكثر من 57 ساعة، أو بمعدل ثماني ساعات في اليوم. ونام عدد الساعات نفسه تقريبا، فيما حصلت عائلته وأصدقاؤه على 17 ساعة هامشية من وقته، بينما خصص بالكاد ثلاث ساعات للاسترخاء والمرح.

السبب في أني أعرف كل هذا هو أن الرئيس التنفيذي البالغ من العمر 34 عاما كان كاميل رودنيكي، وقد كشف عن هذا الأمر في منشور له على موقع "لينكد إن".

هذا ليس مستغربا. فرودنيكي هو مؤسس "تايم كامب"، شركة أنشأها في دولته، بولندا، تبيع ما تسميه "برامج تتبع وقت العمل"، التي نسميها نحن برامج التجسس في مكان العمل، أو بوسوير أو تاتيلوير "وهي أسماء غير رسمية تستخدم لازدراء هذه البرامج".

يمكن لتطبيقات الأخ الأكبر "الذي يعرف كل شيء" مراقبة مواقع الإنترنت التي يتصفحها الموظفون والبرامج التي يستخدمونها من أجل احتساب الوقت الذي يقضونه على تويتر، مثلا، مقارنة بالوقت الذي يقضونه في استخدام برنامج إكسيل، حتى لو كان الأشخاص يعملون في المنزل، كما يفعل كثيرون الآن، والفضل في ذلك يعود إلى جائحة كوفيد. كما يمكن لبعض البرامج تسجيل الضغطات التي ينفذها الموظفون على لوحة المفاتيح، إضافة إلى تحديد أماكن وجودهم، أو أخذ لقطات لشاشاتهم.

كانت شركة رودنيكي قد تصدرت عناوين الصحف حول العالم الشهر الماضي، عندما قضت محكمة مدنية في كندا بإلزام موظفة تعمل محاسبة بدفع أكثر من 2700 دولار كندي "1630 جنيها استرلينيا" لصاحب عملها السابق، بعد أن أظهر برنامج "تايم كامب" أنها ارتكبت جنحة "سرقة الوقت".

سجلت موظفة المحاسبة ساعات عمل تزيد قليلا على 50 ساعة، قال صاحب عملها "إنها كما يبدو لم تقضها في مهام مرتبطة بالعمل". لكنها احتجت على ذلك بأنها أمضت كثيرا من الوقت في العمل على نسخ ورقية من مستندات العميل التي لا يستطيع أن يرصدها برنامج تايم كامب، الذي تم تثبيته على حاسوبها المحمول الخاص بالعمل.

لكن رؤساءها قالوا "إن برنامج تايم كامب استطاع أن يظهر الوقت الذي أمضته في الطباعة، وقد كشفت بياناته أنها لم يكن باستطاعتها طباعة كومة مستندات كبيرة كانت ستحتاج إليها للعمل على النسخ الورقية".

كما كان عليها تحميل العمل الذي أنجزته خارج الشبكة على نظام الحاسوب الخاص بالشركة، ولم يظهر برنامج تايم كامب أنها فعلت ذلك أيضا.

يبدو كأن الفوز كان محققا لمصلحة برنامج التجسس ضد الإنسان، الأمر الذي جعلني أتساءل عن شعور الشركة المصنعة لبرنامج تايم كامب حيال الدور الذي تلعبه في هذا العصر الجديد الذي يتسم بمراقبة العاملين.

الانطباع الذي خرجت به من حديثي مع رودنيكي الأسبوع الماضي كان متباينا بعض الشيء. فمن الناحية الإيجابية، ساعدت قضية موظفة المحاسبة الكندية على تعزيز العمل في شركته، التي يقدم 50 موظفا فيها الخدمة لنحو أربعة آلاف عميل في قطاعات مثل البرمجيات والاستشارات والخدمات الاحترافية بين الشركات.

"هذه دعاية جيدة بالنسبة إلينا"، كما قال موضحا أن طلبات العروض التوضيحية للعملاء عن برنامج تايم كامب تضاعفت تقريبا بعد انتشار القصة. لكن الأخبار زادت أيضا من القلق بشأن البرامج التي أصر رودنيكي على أنها لا تستخدم دائما بالطريقة الخبيثة التي يتصورها كثيرون.

فعلى حد قوله، برنامج تايم كامب يساعد الموظفين أحيانا على إثبات أنهم عملوا ساعات إضافية بدون أجر. كما استخدم معظم عملائه البرنامج فقط من أجل مراقبة إنجاز العمل في مشاريع محددة حتى يظهروا لعملائهم عدد الساعات التي استغرقها إنجاز العمل.

بينما استخدمته شركات أخرى فقط للتحقق مما إذا كان جهاز الحاسوب الخاص بالعمل قد تم استخدامه أم لا، بدلا من تسجيل كل موقع تمت زيارته على الإنترنت، كما أن بعض المناطق تشترط إبلاغ الموظفين قبل استخدام البرنامج.

ولدى موظفي شركة تايم كامب برمجية المجموعة، التي سمحت لرودنيكي بإعداد قائمة تفصيلية بآلاف الساعات المنتجة التي قضاها فريقه في العمل باستخدام برنامج جوجل دوكس وجي ميل وغيرها. كما سمحت بمعرفة حقيقة أنه كان ثاني أكبر المستخدمين لموقع تويتر في الشركة الشهر الماضي. وقال "نحن لا نسعى جاهدين للوصول إلى نسبة إنتاجية 100 في المائة. هذا ليس صحيا".

هذا يبعث على الارتياح. وكذلك تأكيده أن الناس توصلوا إلى حيل لخداع برمجيات تتبع الوقت، مثل الأجهزة التي تحرك فأرة الحاسوب لجعلها تبدو كما لو كانت قيد الاستخدام المستمر. أو الحيلة التي لا تحتاج إلى التكنولوجيا المتمثلة في وضع فنجان قهوة على لوحة المفاتيح كي يقوم بالضغط على أحد المفاتيح باستمرار.

لقد وجدت بهجة كبيرة في هذه الأخبار. إن فكرة الخضوع للمراقبة الرقمية بشكل مستمر هي فكرة مروعة، وأشعر أني محظوظة لأنني تجنبتها حتى الآن. أما بالنسبة إلى الذين لم يتمكنوا من تجنبها، فآمل أن يتمكنوا من الانتقال إلى مكان عمل آخر، أو أن يجدوا طريقة تجعل حياة المراقبة أقل إزعاجا لهم. لكن إلى ذلك الحين، تذكروا حيلة فنجان القهوة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية