FINANCIAL TIMES

المدن الحديثة .. مراكز الأعمال تتراجع أمام زحف المساحات الاجتماعية

المدن الحديثة .. مراكز الأعمال تتراجع أمام زحف المساحات الاجتماعية

تم تصميم الأحياء التجارية المركزية ليستخدمها رجال الأعمال البيض من الطبقة المتوسطة، من الساعة التاسعة إلى الساعة الخامسة، من الإثنين إلى الجمعة. لم يتم تصميمها حقا لتشمل أي شخص آخر.
هذه الكلمات صدرت الأسبوع الماضي عن روب ستوكس، وزير المدن في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية. جحظت عيناي عندما قرأتها في مقال رأي كتبه المحامي البيئي السابق، الحاصل على درجة الدكتوراه في قانون التخطيط، لصحيفتي القديمة، سيدني مورنينج هيرالد.
لا يميل الوزراء إلى الحديث عن المراكز المالية في المدن بحسبانها جيوبا للرجال البيض، خصوصا أولئك المنتمين إلى أحزاب يمين الوسط، مثل الحزب الليبرالي الذي ينتمي إليه ستوكس.
كما أنهم لا يقولون عموما إن الأحياء التجارية المركزية، كما كتب ستوكس "مفهوم عفا عليه الزمن"، ابتكره "مخططو الطبقة الوسطى من الذكور البيض" في القرن الـ20 في شيكاغو.
أخبرني ستوكس لاحقا أنه كان يشير إلى عالم الاجتماع في جامعة شيكاغو، إرنست بورجيس، الذي أثرت أفكاره حول الأحياء التجارية المركزية في تخطيط مدن العالم الجديد الأخرى.
قال، "بالنسبة لبورجيس المنطقة التجارية المركزية هي الدائرة المركزية وسط المدينة حيث تم إنجاز معظم الأعمال (...) عند تقاطع البنية التحتية للمدينة بواسطة رجال بيض تقريبا. وعكست أجزاء أخرى من المدينة عمل وأدوار الطبقات والأجناس الأخرى".
الآن بينما تكافح المدن في جميع أنحاء العالم لإحياء مراكزها المنكوبة بالجوائح، يرى صناع السياسة، مثل ستوكس، فرصة. يريدون تكثيف الجهود لتحويل الأحياء التجارية المركزية إلى مناطق اجتماعية مركزية، أماكن يلتقي فيها جميع الأشخاص لتناول الطعام والتحدث والاستمتاع، وليس مجرد الذهاب إلى المكاتب.
وكما يشير ستوكس، الجوائح والكوارث الأخرى كانت تعمل على دفع التغيير الحضري لفترة طويلة. الطاعون العظيم وحريق لندن الكبير أديا إلى فرض بعض الضوابط الأولى للتخطيط في المدينة. الآن يقول ستوكس إن جائحة كوفيد - 19 ستؤدي إلى مزيد من التحولات.
آمل أن يكون مصيبا في ذلك. لطالما تم تدمير عدد كبير جدا من مناطق الأعمال في المدينة بسبب إنفاق الرياح، وناطحات السحاب، والشوارع الخالية من الروح التي تعج بالمركبات، ثم تصبح فارغة أثناء عطلات نهاية الأسبوع وخلال الليل، حين يتجه الموظفون بعد العمل إلى أماكن أخرى أكثر بهجة.
لا تزال الشوارع أكثر فراغا بعد زيادة أخيرة في أنماط العمل الأكثر مرونة التي لا يبدو أنها ستزول قريبا. في الأسبوع الماضي أظهر تقرير كابجيميني حول استراتيجيات استثمار الشركات لعام 2023 أن أكثر من 60 في المائة من المديرين التنفيذيين في الشركات الكبرى قالوا إنهم يستثمرون في خيارات العمل الهجين والعمل الدائم عن بعد.
السؤال، كم عدد السلطات المستعدة حقا للقيام بما يلزم من أجل تحويل مناطق الأعمال المركزية إلى مناطق اجتماعية مركزية؟
من الأشياء التي يجب فعلها استضافة حدث غير عادي لجذب الحشود إلى الشوارع التي تأثرت بجائحة فيروس كوفيد، كما فعلت بعض المدن أخيرا. لكن هذا بعيد كل البعد عن المهمة المعقدة المتمثلة في إصلاح سياسات التخطيط لبناء مزيد من الشوارع المعدة للمشاة، أو إيجاد مواصلات عامة أفضل، أو حدائق جديدة، والأهم من ذلك بناء مزيد من المنازل السكنية في المناطق التجارية.
لقد تم تصنيف مدينة ملبورن الأسترالية بصورة منتظمة واحدة من أكثر المدن المناسبة للعيش في العالم. منذ الثمانينيات ارتفع عدد المنازل في وسط المدينة، لكن هذا جاء بعد أعوام من جهود حكومية لتبسيط الموافقات التخطيطية والتشجيع على التطوير السكني.
كذلك استغرقت مدينة برشلونة أعواما لتصبح رائدة في "المجمعات السكنية الكبيرة" - مجمعات مهيأة للمشاة داخل كتل المدينة المغلقة أمام حركة المرور - التي نالت إعجاب مخططي المدن حول العالم.
بالنسبة لعديد من المدن اليوم، إنشاء مناطق اجتماعية مركزية يتطلب على الأقل أن تستمر التجديدات في البنية التي تم تنفيذها أثناء الجائحة.
بدأت مدينة سيدني، مسقط رأس ستوكس، بشكل جيد. تحول جزء من أكثر شوارع وسط المدينة ازدحاما إلى مكان دائم للمشاة ومنطقة لتناول الطعام في الهواء الطلق. التدابير التي قللت الوقت المستغرق للموافقة على تناول الطعام في الهواء الطلق من سبعة أسابيع إلى ثلاثة أيام ستبقى دون تغيير.
كذلك تم التخطيط لتحويل موقع صناعي داخلي في الضواحي ليصبح متنزها يربط منطقة الأعمال المركزية من خلال شارع محاذ للكورنيش. كما سيتم تحويل محطة طاقة قديمة تعمل بالفحم إلى ما يعتقد ستوكس أنه يمكن أن يصبح "نقطة جذب ثقافية في سيدني على غرار متحف تيت مودرن في لندن". والأكثر إثارة للإعجاب من ذلك، أنه تم للتو افتتاح موقع جديد للسباحة في المرفأ يقع غرب جسر هاربور الشهير في المدينة، على مسافة قريبة من محطة القطار. كان ستوكس سعيدا جدا بذلك لدرجة أنه قفز في البحر بكامل ملابسه يوم الافتتاح قبل أسبوعين.
إذا كان هذا هو ما ستكون عليه مناطق الأعمال المركزية في المستقبل، فمن ذا الذي يعترض على ذلك؟
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES