Author

هل يستطيع بنك اليابان وقف نزيف الين؟

|

في الوقت الذي يرفع فيه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مستويات الفائدة، من خلال التحكم بمعدل التمويل الفيدرالي، بمقدار 75 نقطة أساس للمرة الثالثة على التوالي هذا العام، يؤكد مرة أخرى البنك المركزي الياباني الإبقاء على معدلات الفائدة تحت الصفر، ويعلن عدم وجود أي نية لرفع مستويات الفائدة.
التحدي الكبير أمام اليابان يكمن في كيفية إيقاف تدهور قيمة الين أمام الدولار بخلاف اللجوء لرفع أسعار الفائدة، فما الحلول الممكنة؟
ما قبل 2016 كانت أسعار الفائدة الرسمية في اليابان مثبتة عند الصفر، وبعد ذلك تم خفضها إلى سالب 0.10، ومع ارتفاع مستويات التضخم حول العالم، اضطر كثير من البنوك المركزية إلى رفع مستويات الفائدة عدا بنك اليابان، حتى إن البنك السويسري الذي كان هو الآخر يحافظ على مستويات فائدة صفرية قرر هذا الأسبوع رفع نسبة الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس.
بلغ سعر الصرف هذا الأسبوع نحو 146 ينا للدولار الواحد، وعندها أعلن بنك اليابان أنه قرر التدخل في سوق الصرف ودعم الين من خلال شرائه من السوق، وبمجرد إعلان الخبر تحسن سعر الصرف إلى نحو 140 ينا للدولار، لكن هل الحل بهذه السهولة؟ وهل يستطيع بنك اليابان تغيير واقع سعر الصرف بمجرد القيام بعمليات شراء للين، التي بالضرورة ستكون محدودة؟
اليابان لديها نحو 1.33 تريليون دولار احتياطيات أجنبية، وهذه مفيدة في دعم قدرة بنك اليابان على شراء الين، لكن في ذلك مخاطرة وتبديد لاحتياطيات البنك، حيث لا يمكن ضمان قدرة البنك على التصدي لانهيار الين، كما أن تدخل البنك المركزي في سعر الصرف ينظر إليه بامتعاض، خصوصا من قبل مجموعة الدول السبع، لكن يبدو أن اليابان قد أخذت الضوء الأخضر من الولايات المتحدة.
البديل لتدخل بنك اليابان بشكل مباشر في سوق صرف العملة هو أن يقوم البنك برفع معدلات الفائدة لوقف هجرة الأموال من الين إلى العملات الأخرى، خصوصا إلى الدولار الأمريكي. التباين الكبير في معدلات الفائدة بين اليابان وأمريكا يجعل المستثمرين في اليابان يبيعون الين ويشترون الدولار، فينخفض سعر الصرف ضد الين، وسيستمر بالانخفاض طالما أن الفيدرالي الأمريكي أعلن نيته للقيام بمزيد من رفع معدلات الفائدة في الأشهر المقبلة.
اليابان لا ترغب في رفع أسعار الفائدة لما لذلك من تأثيرات سلبية في اقتصادها الذي يعاني عدم النمو لأعوام طويلة، ولا يحتمل أي عمليات رفع لمستوى الفائدة، ولا سيما أنه لا يزال اقتصادا ضعيفا على الرغم من الفائدة السلبية. في فترة الستينيات إلى التسعينيات من القرن الماضي شهد الاقتصاد الياباني معدلات نمو كبيرة تخطت أحيانا 12 في المائة في العام، لكن ذلك اختلف تماما في الـ11 عاما الماضية حيث دخلت اليابان في معدلات نمو سنوية بطيئة بلغت في المتوسط فقط 0.48 في المائة خلال هذه الفترة.
قرار اليابان بعدم رفع أسعار الفائدة هو القرار الطبيعي للتصدي للركود الاقتصادي، وهو الوضع القائم في اليابان منذ أعوام، لذا هناك أسباب منطقية لامتناع بنك اليابان عن رفع أسعار الفائدة، لكن بالمقابل، فإن ذلك يؤدي إلى تدهور سعر صرف الين، وهو ما نراه الآن من بلوغه مستويات متدنية لم يشهدها منذ نحو ربع قرن. وعلى الرغم من ذلك هناك فوائد من انخفاض سعر صرف الين في أنه يجعل الصادرات اليابانية في متناول المستهلكين حول العالم، وفي الوقت نفسه وبشكل معاكس لذلك، فإن ذلك يرفع تكلفة الواردات التي يحتاج إليها الاقتصاد الياباني، مثل منتجات الطاقة المسعرة بالدولار وكثير من السلع الغذائية والخدمات الأجنبية. لذا، فاستفادة الصادرات اليابانية من انخفاض سعر صرف الين ليست مطلقة، خصوصا عندما يكون الانخفاض كبيرا كما هو حاليا.
هناك كذلك فائدة للاقتصاد الياباني من انخفاض معدلات الفائدة في أن ذلك يحد من الادخار ويشجع على الاستهلاك، كون اليابانيين معروفين بضعف الاستهلاك، وكذلك تستفيد اليابان من أسعار الفائدة المنخفضة في أن ذلك يوفر على الحكومة اليابانية كثيرا من المال لخدمة الديون التي تصدرها بكثرة، وبالتالي فإن أي محاولة لرفع مستويات الفائدة ستدفع فاتورتها الحكومة اليابانية قبل غيرها، وسيفاقم ذلك من عجز الميزانية السنوية.
اليابان في موقف حرج جدا، فهي ترى انهيار الين الياباني يتصاعد من يوم لآخر، وفي الوقت نفسه هي كذلك تعاني ارتفاع مستويات التضخم، التي وصلت في الربع الثاني من 2022 إلى 2.5 في المائة، الأمر الذي لا يتوافق مع مستويات فائدة دون الصفر! لذا تتجه الأنظار نحو اليابان هذه الأيام لمتابعة كيفية التخارج من الوضع السيئ الذي يمر به الين الياباني، وإلى أي مدى يمكن أن يستمر بنك اليابان بالدفاع عن الين بالتدخل المباشر بسعر الصرف.

إنشرها