Author

مؤشرات اقتصاد منطقة عسير «5»

|
سيكون هذا آخر مقال في هذه السلسلة، التي حاولت فيها تلمس العوامل الاقتصادية المؤثرة في منطقة عسير، والفرص الكامنة في التطوير التي يمكن استغلالها من خلال بناء مؤسسات متوسطة، وصغيرة، ولم أتطرق خلال مقالاتي في هذه السلسلة إلى الدور الحكومي ومشاريع صندوق الاستثمارات العامة، ذلك أن رؤية 2030 واضحة بما يكفي، لكن ـ توافقا مع الرؤية ـ كيف يمكن للمشاريع الصغيرة والمتوسطة حتى الشركات الكبيرة أن تحقق تقدما مذهلا في اقتصاد المنطقة، استنادا إلى مزاياها النسبية السهلة والمتاحة. لا شك أن رؤية المملكة اليوم تطرح فرصا مذهلة جدا لرواد الأعمال، فهناك قروض مسيرة من كل اتجاه، وإمكانية غير مسبوقة لطرح المؤسسات في سوق الأسهم السعودية، مع فرص للحصول على تمويل من خلال سوق السندات وفقا لنظام الشركات الجديد. كل الأمور مهيأة الآن لنهضة اقتصادية لم تمر على المملكة منذ الأزل، ومنطقة عسير جزء من ذلك ولديها اليوم فرصة تاريخية لتحرير النماذج الاقتصادية من رهن القيود التي كبلتها عقودا طويلة. لكن تظل مشكلة الابتكار أهم المشكلات التي تعوق أي تقدم اقتصادي، وأن مفهوم الابتكار لا يزال حبيسا في معنى تقليدي له، فإذا ذكر الابتكار والمبتكرون تبادر إلى الذهن شباب وشابات يقفون أمام أدوات وأسلاك ينتظرون فرصة الضغط على أحد الأزرار لتبدأ الآلة بالحركة، مع محاولة إقناع الآخرين بمدى حاجة الناس إلى هذه الأفكار والأدوات، وفي كل مرة أرى هذه العروض أتساءل ما الذي يحدث فعلا؟ هل نحن من يمول هذه المشاريع ولذلك تعرض علينا؟ أم أن المؤسسة التعليمية تعرض لنا الطلاب وابتكاراتهم لتقنعنا بقدراتها التعليمية وأنها تدعم الابتكار؟
إن هذا الأسلوب يصيب الشباب الطموح بالفتور، فالجميع ينظر إلى هذه الابتكارات كأنها مقتنيات متحف والطلاب مجرد مرشدون سياحيون لن يتذكرهم أحد عند مغادرة هذه المتاحف. الابتكار ليس غاية في ذاته، بل هو منهج للتطوير، ولمعالجة المشكلات، لذا فهو ابتكار للمفهوم وليس للآلة. الابتكار ليس أسلاكا وأدوات وطالبا، بل هو إنتاج مفهوم جديد أو تطوير مفهوم قائم، وقد يتحول إلى آلة أو برنامج إلكتروني أو تطبيق أو حتى نموذج عمل أو طريقة محاسبية أو إدارية أو تسويقية، إنه في كل مكان من حولنا، في عقول الموظفين وربات المنازل، فالابتكار أضخم بكثير مما يتم الآن في الجامعات والمدارس.
منطقة عسير بحاجة إلى الابتكار أكثر من غيرها، خاصة في مفاهيم التسوق، فالتسوق العالمي اليوم قائم على بناء مولات ضخمة تحيط بها فنادق فاخرة، لكن المنطقة لا تستطيع توفير مساحات لهذه المولات، حتى لو استطاعت فإنها حتما ستكون محصورة في مدينة واحدة، كما أنها تتسبب في بعد الناس عن محيط البيئة الجميل بكل تنوعه وتضاريسه من الجبل حتى الساحل، ومن اللافت للاهتمام نشأة مفاهيم تسوق مستنسخة مثل المهرجان السياحي، لكنها بقيت أسواقا موسمية تورطت في نموذج مهرجانات أخرى، فالمفهوم كان ابتكاريا مناسبا للمنطقة وجاذبا، لكن آليات تنفيذه لم تكن كذلك، فمنطقة عسير تمتد على طريق الحجاز وهناك تكمن مدن سياحية في غاية الجمال مثل تنومة والنماص وغيرها على طول الطريق، والمشكلة دائما في أن المشاهد الطبيعية تبدو واحدة لا يوجد فرق شاسع بينها، وعلى السائح ممارسة الأنشطة نفسها تماما، لذلك فإن الانتقال من مدينة إلى أخرى لن يكون سوى تكرار لمشهد ممل مع كثير من إرهاق الطريق، والابتكار والتطوير قد يحل المشكلة لو استطاعت الجمعيات التعاونية "في ظل تعليم مناسب وحاضنات أعمال" أشرت إليها في المقال السابق، تطوير الأسواق الشعبية على نماذج ومفاهيم جديدة تماما، أسواق مفتوحة ذات مسارات تحتضنها الطبيعة لكنها جميلة، قد تشبه السوق العالمية في أي مدينة عالمية، بحيث تصبح تجمعا لأفضل المنتجات العالمية والمحلية طبقا لقيم تضمن الجودة ومكافحة الغش، تحيط بها وتتخللها مطاعم من منتجات محلية وأسر منتجة، مع عروض ترفيهية وسينمائية تروي قصص القرية والمجتمع في منتجعات على نماذج القرى السياحية التي أشرت إليها في المقال السابق، فمفهوم السوق الشعبية من أهم المفاهيم الاقتصادية، لكنه لم يتطور ولم يحدث ابتكار جديد إضافي منذ نشأته على الرغم من أهميته التاريخية والاجتماعية والاقتصادية.
لعله من فضول القول إن المنطقة تعد من أفضل المناطق في إنتاج اللحوم بأنواعها، نظرا إلى الظروف البيئية والمناخية المناسبة، خاصة في المساحات القريبة من بيشة وعلى طول الساحل البحري، وهناك جهود واضحة في هذا المسار، لكنها لم تصل إلى مستوى المشاريع الاقتصادية الكبرى، القادرة على تشغيل العمال، وإنتاج الثروة وبلوغ الأسواق العالمية، فتطوير صناعة لحوم الأبقار - مثلا - سيكون له أثر اقتصادي واسع. وشخصيا أدرك حجم المنافسة الضخمة والأسماء الكبرى في إنتاج اللحوم، لكن المسألة لا تحتاج إلى أكثر من تحديث وابتكار نماذج للعمل والإنتاج، وتجربة زراعة الروبيان دليل على ما يمكن لرجال الأعمال في هذه البلاد السخية فعله، لكن الدخول بقوة لصناعة اللحوم في منطقة عسير بالذات يحتاج كانطلاقة إلى تطوير نماذج المؤسسات العائلية. فلم أشاهد في المنطقة مؤسسات عائلية في مثل هذه الصناعات، "ولا غيرها" كما هي في صناعات أخرى في المملكة أو في أوروبا، والمنطقة رغم تميزها في اللحوم لم تستطع حتى مجرد الاقتراب من هذه الأسواق، لكن مرة أخرى، فإن الأمر برمته يعود إلى الابتكار والمبادرة ونسخ التجارب العالمية بصورة مناسبة، ولو أن جامعة الملك خالد تتبنى مراكز أبحاث وحاضنات أعمال لهذه القضايا، فإن الأمر سيكون مختلفا في الأعوام العشرة المقبلة. هنا تنتهي هذه السلسلة، لكن تبقى الأفكار أكثر مما يمكن تصوره لو تم تحرير مفهوم الابتكار من معارضيه وأسلاكه الشائكة.
إنشرها