Author

هل هناك مزيد من الهبوط في الأسواق الأمريكية؟

|
تساؤلات كثيرة عن مصير أسواق الأسهم الأمريكية في خضم جملة من الأحداث المؤثرة والتطورات السلبية التي تشهدها الأسواق، هذا على الرغم من الهبوط الحاد في كثير من الأسهم والمؤشرات الرئيسة منذ بلوغها القمة قبل نحو عشرة أشهر. هل ينتهي الهبوط قريبا؟ أم أننا أمام مرحلة هبوط طويلة قد تمتد إلى منتصف العام المقبل؟
مصدر التشاؤم لدى البعض له مبرراته، من الحرب الروسية - الأوكرانية وارتفاع مستويات التضخم والتغير الكبير في سياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي فيما يخص أسعار الفائدة، إلى جانب التحديات التي تواجه الاقتصاد الصيني وما قد يحدثه من اختلالات على مستوى الاقتصاد العالمي.
هناك من درس رفع تأثير أسعار الفائدة في حركة الأسهم، وذلك بدراسة عدة جولات لرفع الفائدة منذ 1984، ووجد أن الأسواق، ممثلة في مؤشر إس آند بي 500، تصل إلى القاع قبل نهاية جولة رفع أسعار الفائدة بنحو 57 يوما في المتوسط. أي تقريبا قبل شهرين من آخر عملية رفع لأسعار الفائدة تكون الأسهم قد وصلت إلى القاع. لكن الدراسة أشارت كذلك إلى أن هناك تفاوتا كبيرا في هذه المدة، حيث بلغت المدة 176 يوما في أقصى حالاتها، إلى مدة يوم واحد قبل إعلان آخر عملية رفع لأسعار الفائدة. لذا من الصعب الخروج بأي نتيجة إيجابية من هذه الدراسة، عدا أن الأسواق في الأغلب تصل إلى القاع قبل فترة طويلة من حدوث آخر عملية لرفع أسعار الفائدة.
بالنظر إلى مؤشر ناسداك فقد انخفض من بداية العام إلى منتصف حزيران (يونيو) 32 في المائة، ثم عاود الارتفاع لعدة أسابيع ومن ثم الهبوط مرة أخرى، حيث يقف في أول يوم من أيلول (سبتمبر) عند نزول 26 في المائة. فهل من مزيد من الهبوط؟
لو أننا نظرنا إلى نسبة البطالة في أمريكا أثناء أزمة 2008 المالية، سنجد أن سوق ناسداك بلغت القاع في تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، حين كانت نسبة البطالة نحو 6 في المائة، أي أن السوق لم تنخفض فيما بعد ذلك على الرغم من أن نسبة البطالة أخذت في الارتفاع إلى أن وصلت 10 في المائة بعد ذلك بعدة أشهر، تحديدا حتى نهاية 2009! هذا أحد الأدلة على أن سوق الأسهم تسبق الأحداث الاقتصادية، وأنه حتى مع تدهور البيانات الاقتصادية فيما بعد فإن أسواق الأسهم لا تتبع ذلك بالضرورة.
في بعض الانهيارات الكبرى السابقة بلغ النزول 50 في المائة وأكثر في بعض المؤشرات، لذا هناك من يعتقد أن هبوط الأسهم لم ينته بعد كون سوق ناسداك منخفضة نحو 30 في المائة من أعلى قمة بلغتها العام الماضي. لكن هناك من يرى أن لكل حقبة زمنية طابعا مختلفا وظروفا مختلفة، ويشيرون إلى أن بعض الانهيارات السابقة كان خلفها شركات وهمية كما في انهيار 2000، أو أن لها أسبابا مالية مفصلية، كما حدث في انهيار 2008 الذي قادته شركات مالية تأثرت بفقاعة القروض العقارية وانهارت أرباحها بشكل كبير ومفاجئ.
في زمننا الحاضر معظم الشركات التي تقود المؤشرات هي شركات تقنية، مثل "مايكروسوفت"، "جوجل"، "فيسبوك"، "أمازون" وغيرها، وهذه الشركات لا تزال تحقق أرباحا مهولة، وإن حدث نزول في أرباحها فمن غير المتوقع أن تنخفض بنسب كبيرة. على سبيل المثال، شركة أبل كانت أرباحها السنوية ثمانية مليارات دولار في 2009، ومن ثم أخذت بالتسارع المستمر إلى أن وصلت إلى 57 مليار دولار في عام كورونا، 2020. ثم ارتفعت في 2021 بشكل حاد إلى 95 مليار دولار، ومن ثم إلى 25 مليار دولار في الربع الأول من 2022 و19.5 مليار دولار في الربع الثاني، أي نحو 45 مليار دولار في منتصف 2022.
كذلك الحال مع الشركات الأخرى مثل "مايكروسوفت" التي ارتفعت أرباحها من 19 مليار دولار في 2010 إلى 73 مليار دولار في 2021، و"أمازون" كذلك ارتفعت أرباحها من أقل من مليار دولار إلى أكثر من 33 مليار دولار خلال الفترة نفسها. النقطة الرئيسة هنا أن على هذه الشركات أن تحقق تراجعات حادة في أرباحها إن كانت أسواق الأسهم ستواصل النزيف والنزول إلى مستويات 50 في المائة من أعلى قممها، وهذا من الأمور المستبعدة نظرا إلى مكانة هذه الشركات وامتلاكها حصصا سوقية كبيرة والاعتماد الكبير على منتجاتها وخدماتها، حتى إن حدث هناك مزيد من الركود الاقتصادي.
فريق المتفائلين يشير كذلك إلى مستويات الاقتراض على الهامش التي أدت في أوقات سابقة إلى إحداث اختلالات في الأسواق نتيجة تسييل البنوك والوسطاء للمحافظ المقترضة بالهامش لتجنب المخاطرة. حاليا ارتفعت نسب الاقتراض بالهامش لدى الوسطاء لتبلغ 10 في المائة لدى البعض، ما يعني انخفاض عدد المستثمرين الذين سيأخذون قروضا بالهامش، وبالتالي عدم وجود مخاطر عالية من هذا الجانب.
أخيرا، يرى المتفائلون أن الأسواق تجاوزت عدة مراحل، أو فقاعات، منذ نحو عامين، وأن الأسوأ قد انتهى، ويشيرون هنا إلى أن قضية تضخم الأصول التي كنا نتحدث عنها في السابق قد انتهت، والدليل أن عددا كبيرا من الأسهم بالفعل صححت أسعارها بنسب بلغت 50 في المائة إلى 80 في المائة وأكثر، وبالتالي فهي ليست مرتفعة. كذلك يشيرون إلى فقاعة الاكتتابات بطريقة شركات الاستحواذ الخاصة SPAC التي تقريبا اختفت تماما. كذلك هناك فقاعة العملات المشفرة التي بالفعل انفجرت ونتج عنها انخفاضات بمستويات تجاوزت 70 في المائة وأكثر. وجميع هذه الأحداث تشير إلى فقاعات مرت وانتهت، وبالتالي ليس هناك مزيد من الانهيارات الحادة، كما يرى ذلك فريق المتفائلين.
هناك بالطبع فريق المتفائلين وفريق المتشائمين، وكل فريق لديه تبريراته لتوجه الأسعار في أسواق الأسهم الأمريكية في المرحلة المقبلة. الأمر المؤكد أن الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة وخارجها لا تزال تمر بتحديات كبيرة، ومن المؤكد كذلك أن أسواق الأسهم تسبق الأحداث، والبعض يعد قاع منتصف حزيران (يونيو) هو القاع الذي يسبق نهاية الأزمة الاقتصادية وجولات رفع الفائدة، وفي رأيي أن الأفضل الانتظار إلى ما بعد نتيجة اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي نهاية هذا الشهر، ومن ثم النظر في نتائج الشركات للربع الثالث، ومن ثم قد تتبين وجهة الأسهم بشكل أوضح.
إنشرها