تقارير و تحليلات

التعليم عبر الإنترنت .. منافسة تشتد واندماج الكبار يعيد تشكيل السوق الوليدة

التعليم عبر الإنترنت .. منافسة تشتد واندماج الكبار يعيد تشكيل السوق الوليدة

التعليم عبر الإنترنت .. منافسة تشتد واندماج الكبار يعيد تشكيل السوق الوليدة

خلال العقد الماضي، تغير مفهوم التعليم التقليدي على المستوى العالمي، وفي العامين الماضيين تحديدا وبسبب جائحة كورونا حدث تغير جذري في المفاهيم الشائعة حول سبل ووسائل التعليم المتاحة وعلاقتها بالتوجهات الدولية الجارية في مجال الرقمنة والإنترنت.
ومن أبرز تلك التغييرات أن الوجود الفعلي في الفصل الدراسي لم يعد خيار التعليم الوحيد الآن، خاصة مع ظهور الإنترنت وتنامي سرعتها، وبات من الممكن الوصول إلى تعليم جيد طالما كان بالإمكان الاتصال بالإنترنت، واليوم يطلق بعض خبراء التعليم على الوضع الجديد في مجال التعليم "ثورة التعليم عبر الإنترنت".
لكن لكيلا نحلق بعيدا عن الواقع، أو نبالغ في شعبية ثورة التعليم عبر الإنترنت، يجب الإقرار أيضا بأن الشك لا يزال يحيط بتلك الثورة التعليمية، فالفصول الدراسية التقليدية تراث أصيل في الأنظمة التعليمية حتى قبل أن يأخذ التعليم شكله الحديث، فما بالك إذا كان عالم الإنترنت بمساحته الشاسعة اللامتناهية لا يزال عالما مجهولا ومثيرا للقلق بالنسبة إلى كثير من الآباء والأمهات المسؤول الأول عن تعليم أبنائهم.
لكن ما يصعب في الوقت ذاته نفيه أو إنكاره أن التعليم عبر الإنترنت أصبح خيارا مقبولا ومعقولا ومريحا أيضا بالنسبة إلى الطلاب سواء كانوا أطفالا أو في أعوام المراهقة أو بالغين، فالتعليم عبر الشبكة العنكبوتية وسيلة تعليمية من وجهة نظر كثير من الخبراء مفيدة لصقل المهارات في موضوعات صعبة أو حتى تعلم مهارات جديدة.
وبصرف النظر عن الموقف الشخصي من تقييم تجربة التعليم عن بعد، وسواء تم القبول بها أو رفضها أو التشكك في جدواها مقارنة بنمط التعليم التقليدي، حيث طوابير الصباح، والزي المدرسي الموحد، والانتظام في الفصول التعليمية، فالأمر المؤكد أن الاهتمام والمشاركة في التعليم عبر الإنترنت في نمو متواصل على المستوى العالمي، بحيث أشارت مجموعة بابسون للأبحاث إلى أن أكثر من 30 في المائة من طلاب التعليم العالي في الولايات المتحدة يأخذون دورة واحدة على الأقل عن بعد عبر الإنترنت.
ومثل عام 2020 نقطة التحول في مجال التعليم عبر الإنترنت على المستوى الدولي، والآن يتنافس عديد من اللاعبين في جزء من هذه السوق الآخذة في الازدهار والنمو، وسواء كان المتنافسين جامعات وطنية أو دولية، أو مؤسسات تعليمية مهتمة ومعنية بتعليم الناشئين، أو حتى المؤسسات التي تعمل على تقليص معدلات الامية، فالجميع يدرك طبيعة الحراك السريع في هذه السوق الجديدة.
وفي الواقع فإن حجم التحولات الجارية الآن في سوق التعليم عبر الإنترنت والمنافسة الشرسة والمتزايدة بين الفاعلين الأساسيين فيها، تؤكد أن الأعوام المقبلة ستشهد تحسينات ثورية في أنماط التعليم عن بعد، تتجاوز بمراحل الخطوات التي اتخذت في العامين الماضيين والتي سمحت بنمو وازدهار هذه السوق.
من جهته، يرى كلارك كاننجهام الخبير التعليمي، أن هناك مجموعة من القوى الأساسية تعمل على التأسيس للمرحلة المقبلة لسوق التعليم عبر الإنترنت.
وقال لـ"الاقتصادية" إن "المنافسة المتزايدة في سوق وليدة، والاندماج بين اللاعبين الكبار للسيطرة على السوق، وتدفق الاستثمارات في ظل التوقعات المستقبلية بالربحية، وارتفاع معايير الجودة في هذه السوق تعمل على تشكيل المرحلة المقبلة من سوق التعليم عبر الإنترنت".
ويعتقد كاننجهام، أن القفزات الناجمة في أعداد المتعلمين الذين يحصلون على دورات تدريبية مفتوحة عبر الإنترنت التي قفزت من 300 ألف عام 2011 إلى 220 مليونا عام 2021، إضافة إلى الظروف الناجمة عن جائحة كورونا في عام 2020 التي أدت إلى تسريع هذا النمو بنسبة 92 في المائة، تعني أن الجهود الراهنة لتوطيد سوق التعليم عبر الإنترنت ستحظى بنجاح باهر في الأعوام المقبلة، وأن أربعة من أكبر مزودي التعليم عبر الإنترنت في العالم وهم جامعة جنوب نيو هامبشاير وجامعة ليبرتي وجامعة ويسترن جوفيرنرد وجامعة جراند كانيون زاد معدل التسجيل لديهم بنسبة 11 في المائة في المتوسط".
من جانبها، تدعم يولا لازار أستاذة النظم التعليمية في جامعة أكسفورد، وجهة النظر أعلاه، بالقول: "تدفق الاستثمارات وزيادة تمويل رأس المال الاستثماري يكشف عن وعي متزايد من قبل المستمرين بأهمية هذه السوق وتوسعها مستقبلا".
وأوضحت أنه في الولايات المتحدة على سبيل المثال، نما التمويل الاستثماري لتكنولوجيا التعليم من مليار دولار عام 2017 إلى ثمانية مليارات دولار عام 2021، والعام الماضي كان الإقبال العام على هذه الاستثمارات واضحا في الاكتتابات الأولية الناجحة لشركات تكنولوجيا التعليم المتعددة، والاستثمار في تكنولوجيا التعليم مهيأ لمزيد من النمو مع زيادة العروض عبر الإنترنت، ومع استمرار تحول المؤسسات إلى التعليم القائم على التقنيات الرقمية المتطورة".
وبلغة الأرقام يبدو هذا النمو شديد الوضوح، إذ يتوقع أن تصل سوق التعليم عبر الإنترنت إلى نحو 585 مليار دولار بحلول عام 2027 مقابل 270 مليار دولار العام الماضي، وتتمتع منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إضافة إلى أمريكا الشمالية بسوق واعدة للتعليم عبر الإنترنت، ويحتلان المركزين الأولين في السوق، ويساعد في ذلك انتشار الإنترنت والهواتف الذكية والسياسات الحكومية الصديقة للتحول الرقمي، وتزايد الطلب من قبل المهنيين والباحثين عن عمل على التعليم.
يضاف إلى ذلك الجهود المبذولة لتطوير التعليم عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وكذلك في أمريكا الشمالية بغض النظر عن توسع الاقتصاد أو انكماشه وارتفاع أو انخفاض معدلات الالتحاق بالتعليم العالي.
مع هذا، فإن تجربة التعليم عبر الإنترنت وعلى الرغم من الأشواط الكبيرة التي قطعتها حتى الآن لا تزال تواجه تحديات وملاحظات سلبية من قبل بعض الخبراء في مجال علم النفس التربوي.
بدوره، يقر الدكتور إل. دي. جافري أستاذ علم النفس في جامعة كامبريدج، بأن التعليم عبر الإنترنت حقيقة واقعة الآن وهناك إقبال متزايد عليه، بل إنه يتوقع أن يزيح هذا النمط التعليمي في منتصف القرن بأنماط التعليم التقليدية ويتفوق عليها، إلا أن هذا لا يمنعه من إبداء بعض الملاحظات السلبية التي يرى أنها لم تحظى بالاهتمام الواجب من المستثمرين في هذه السوق الواعدة.
وقال لـ"الاقتصادية" إن "التعليم عبر الإنترنت يقلل من تفاعل الطلاب الاجتماعي مع أقرانهم وأساتذتهم، هذا الانخفاض في التنشئة الاجتماعية يرتبط ارتباطا مباشرا بمعدلات الاكتئاب المرتفعة ومشاعر العزلة الاجتماعية، فالطلاب خاصة خلال أعوام دراستهم الاجتماعية في حاجة إلى الوجود حول أشخاص آخرين، لتعزيز انتشار الأفكار وتطوير شعور قوي بالهوية الشخصية".
وفي الواقع، فإن بعض الدراسات أشارت إلى أن التعليم عبر الإنترنت يقلل من الانضباط ويسهل على الطلاب أن يصبحوا كسالى في دراستهم، كما أن الفصول عبر الإنترنت تحد من التعلم والتدريب العملي.
تلك الملاحظات وعلى الرغم من جديتها لا تنفي أن فرص النمو متصاعدة أمام المستثمرين في مجال التعليم عبر الإنترنت، لكن فرص النجاح المتاحة تتطلب من المستثمرين القيام بقفزات كبيرة في سوق تنافسية، بما يعنيه ذلك من ربط هذا النمط التعليمي بعلامات تجارية مميزة، عبر استثمار أموال التسويق في زيادة الوعي على نطاق واسع بطبيعة ونوعية العروض التعليمية التي تقدمها المؤسسات العاملة في مجال التعليم عبر الإنترنت.
وقال لـ"الاقتصادية" أستاذ التسويق الإلكتروني في جامعة ويلز آدم هاورد، إنه "بالنسبة إلى مقدمي الخدمات التعليمية عبر الإنترنت ستصبح العلامة التجارية شديدة الأهمية مستقبلا، فوضع الأسس لعلامة تجارية مميزة يخترق بحر التشابه الحالي الذي يجعل جميع إعلانات التعليم عبر الإنترنت متماثلة ولا يوجد بينها فروقات جذرية".
وأضاف، أن الأمر يجب ألا يقف عند حدود التميز عبر قدرة المشتركين على تحمل التكاليف أو المرونة في الأساليب التعليمية، فالعلامة التجارية يجب أن تكون أكثر عمقا وترتبط بنوعية الخدمة التعليمية المقدمة، وهذا يمكن أن يحدث عبر استهداف فئات معينة من الطلاب أو التركيز على مجالات تعليمية محددة.
المؤكد أن تجربة التعليم عبر الإنترنت ونتيجة الزخم الذي حظيت به بسبب جائحة كورونا فتحت ثغرة في أنظمة التعليم التقليدية، مع هذا فإن التجربة لا تزال في تباشيرها الأولى، وربما يتيح ذلك الفرصة لبناء مؤسسات تعليمية جديدة أكثر ارتباطا بالاقتصاد الرقمي وشبكية الإنترنت، بما يوفره ذلك من فرص تعليمية أكثر جاذبية وتنوعا لقطاعات أوسع من المواطنين في مختلف الأعمار والمراحل التعليمية.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من تقارير و تحليلات