Author

مؤشرات اقتصاد منطقة عسير «4»

|
في المقالات الماضية قدمت الحجج المنطقية لإثبات تأثير علوم الأعمال والاقتصاد وغيرها في تنمية اقتصاد المنطقة، والثاني دخول المنطقة في معترك المنافسة على قطاع السياحة دون وجود صناعة متكاملة ووعي كاف بها، وأثر ثقافة الأسواق الشعبية، وفكرة العصامية في بناء المؤسسات. وفي هذا المقال وما يليه، أرسم صورة للمستقبل، ماذا يجب أن يكون عليه اقتصاد المنطقة، على أساس من المرتكزات الأساسية للبنية الاقتصادية للمنطقة، وأولها وجود عدة أنواع من رؤوس الأموال، أهمها رأس المال البشري الذي من أهم صفاته العصامية، والاعتماد على النفس، والمثابرة والرغبة في تحقيق الإنجاز. والثاني هو رأس المال الاجتماعي المتمثل في الروح القبلية والجماعة الموجودة منذ الأزل، والترتيبات الاجتماعية المرتبطة بها، ومن بينها ما يسمى صناديق الجماعة. والثالث رأس المال الفكري وعموده الفقري، جامعة الملك خالد، ورأس المال الطبيعي المتمثل في المناخ والمناطق الزراعية والسياحية. هذه أهم مرتكزات اقتصاد منطقة عسير. وبغض النظر عن المواد الخام والصناعة، فإن هذه المرتكزات كفيلة بإنتاج اقتصاد مزدهر - بعون الله.
ومن أهم وسائل تطوير اقتصاد المنطقة، استغلال النماذج الزراعية بشكل صحيح، فقد عاشت المنطقة قرونا عديدة في عزلة تامة عن باقي العالم، وهذا فرض عليها أنماطا من الزراعة لا تتناسب مع طبيعة المنطقة، وأهمها ارتكازها على زراعة القمح والشعير والحبوب وفي مدرجات زراعية صغيرة جدا تزرع وفقا لمواسم المطر، فهي غير مستغلة تماما، مع مساحات زراعية حول الأودية قريبة من القرى، لكنها بالكاد تكفي لتحقيق احتياجات أسرة واحدة، ولذلك كلما نمت أعداد الناس في القرية كان لا بد من هجرة بعضهم إلى أحياء مناطق أخرى، وبهذا تكاثرت القرى على طول مجاري الأودية في المنطقة، لكن مع ظهور الدولة السعودية المباركة وتحقيق أهداف التنمية الرئيسة، ومنها النقل ووسائله، فإن استمرار أنماط الزراعة هذه لا فائدة منه، فتكلفة الحصول على القمح من إنتاج المنطقة تفوق بكثير تكلفة الحصول عليه من مناطق أخرى، ولهذا فقد هجرت كل المساحات الزراعية تماما، وأصبحت المدرجات غير منتجة نهائيا، بل امتد الأمر حتى المزارع القريبة من الأودية، وهجرت القرى بشكل جوهري، فلم تعد صالحة للحياة الحديثة، رغم وصول الطرق المعبدة والكهرباء والاتصالات حتى شبكات المياه لهذه القرى، فالبنى التحتية كاملة، لكن الحياة غير مستغلة، ولو تم النظر إلى الأمر بطريقة مختلفة، فتغيير أنماط الزراعة وأنواع الإنتاج سيحقق ثروات هائلة، فالمنطقة صالحة لزراعة أنواع كثيرة من البهارات المطلوبة عالميا، من بينها اليانسون، والأشجار والنباتات العطرية بجميع أنواعها، خاصة تلك التي تستخدم لأغراض طبية، فزراعة مدرج واحد تكفي لإنتاج ثروة ضحمة للأسر، فلم تعد المنطقة بحاجة إلى زراعة القمح والحبوب غير المنتجة للثروة، لكن هذا يتطلب إعادة بناء مفهوم السوق في المنطقة ليتجاوز الأسواق الشعبية إلى الأسواق العالمية، كما لا بد أن تطلب إعادة كليات الزراعة أو على الأقل الدبلومات الزراعية للمنطقة، مع حاضنات أعمال ومراكز استشارية وأبحاث زارعية في الجامعة.
المرتكز الثاني في اقتصاد المنطقة هو القرى السياحية، فخلال أعوام استطلعت آراء عدد من الزوار للمنطقة، من بينهم زوار من دول الخليج، واتفق الجميع تقريبا على أن الحياة الهادئة الريفية هي المطلب الأول للجميع، والمملكة بعمومها توفر مزية السياحة الآمنة، والتنقل بأمان بين مدن وقرى المنطقة، وهذا مهم جدا للسياحة العائلية بشكل كبير، لكن ما نقص المنطقة هو بناء نموذج سياحي خاص بها، فلا معنى من منافسة الرياض أو جدة أو دبي، وليس هنا أمل في مثل ذلك، فالمقاهي العالمية والمولات والأسواق التجارية الكبرى ليست هدفا لزائر المنطقة، بل الهدف هو الحياة الرغيدة المتسمة بالرفاهية في منطقة ريفية بعيدة عن صخب المدن مع تجربة أنواع من الرياضة وتجربة أطمعة مختلفة. وقد كانت هناك محاولة لإنتاج مثل هذه المشاريع في منتجعات أبها الحديثة، لكنها لم تتطور بما يكفي، والسبب في نظري أنها انعزلت عن محطيها، فالسائح يريد الانغماس في الطبيعة كما هي، ورغم توافر البنى التحية، لكن لم تنم صناعة سياحية مناسبة لهذا المفهوم.
من الجدير بالذكر أن الثقافة الاجتماعية للمنطقة تحتوي على مفهوم صناديق الجماعة، وقد نجحت بعض القرى في بناء نموذج تجاري من هذه الصناديق وفق مفهوم الجمعيات التعاونية، لكن انحصرت في تجارب عادية، بسبب غياب الفكر الإداري - كما أشرت سابقا - وغياب المبادرة والابتكار، فالجمعيات التعاونية للقرى يمكنها بناء تراكم رأسمالي ضخم قادر على إنتاج مؤسسات سياحة هائلة، وجاذبة، وهناك تجارب مهمة الآن من بينها طبب التاريخية التي حققت سمعة جيدة في وقت قياسي، وأصبحت تستقبل وفودا طوال العام وتعقد فيها اجتماعات وملتقيات، فلو تحقق تكاتف اجتماعي بين مجموعات القرى لبناء قرى سياحية تعتمد على إحياء المباني القديمة للقرية، ورصفها وإعادة تأهليها لاستقبال الساكنين، مع نماذج حديثة من الفخامة والترفيه، وتشغيل الأسر المنتجة في القرى لبناء سلاسل إمداد متكاملة لهذه الغرف السياحية ومحال تجارية "وفقا لمفهوم السوق الشعبية" تبيع جميع أصناف منتجات القرى واحتياجات السياح، إضافة إلى الغذاء والنظافة مع برامج وعروض ترفيهية، فإن الحركة السياحية في المنطقة ستشهد نقلة موضوعية غير عادية، لكن هذا يتطلب بناء مؤسسات تدريب سياحية مع حاضنات أعمال، إضافة إلى بنية قانونية تضمن الحقوق لجميع الأطراف... يتبع.
إنشرها