Author

أسباب عدم تجاوب الأسواق مع الأخبار السيئة

|
الأسواق المالية، وأسواق الأسهم خصوصا، تستبق الأحداث الاقتصادية، ويقال إنها تستبق الأحداث بستة أشهر على الأقل، وهذا بالفعل ما نراه منذ أواخر 2021 حين بدأت أسعار الأسهم بالانخفاض من أعلى مستوياتها. هذا الأسبوع يتساءل البعض عن سبب عدم تأثر أسواق الأسهم الأمريكية بجملة من الأخبار السلبية ظهرت هذا الأسبوع، بل إنها خالفت التوقعات وحققت ارتفاعات معتبرة.
كما ذكرنا، الأسباب الرئيسة هي قدرة الأسواق على قراءة المستقبل بشكل سريع، وذلك لوجود جيوش من المحللين والمستثمرين والمضاربين ممن تعنيهم الأوضاع الاقتصادية المستقبلية ويبذلون جل طاقاتهم في سبر أغوارها وتحليل مساراتها. أسواق الأسهم لم تتأثر لأنه لم يعد هناك مفاجآت كبيرة، فكان معروفا أن الفيدرالي الأمريكي سيقوم برفع أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس، وكان معروفا مسبقا متى سيجتمع ويقرر ذلك.
بل إن دخول الاقتصاد في حالة ركود كان متوقعا، وكانت هناك دلائل على ذلك كثيرة، منها انعكاس منحنى عائد الاستحقاق، الذي يحمل دلالات قوية حول وجهة الاقتصاد في المراحل المقبلة، وإحدى الطرق المستخدمة في ذلك هي رصد الفارق بين العائد على السندات الحكومية قصيرة المدى والسندات طويلة المدى، حيث يأتي الانعكاس عندما يكون العائد على المدى الطويل أقل من العائد على المدى القصير. ما أهمية هذا الانعكاس؟
منحنى عائد الاستحقاق عبارة عن جدول يرصد مستويات الفائدة للسندات الحكومية على فترات مختلفة، من شهر واحد إلى 30 عاما، وتكون فيه فائدة السندات طويلة المدى أعلى من السندات قصيرة المدى، وهذا هو المتوقع والطبيعي. ولكن لو نظرنا إلى عائد السندات لمدة عامين فسنجد حاليا أنه نحو 2.9 في المائة، بينما عائد سندات عشرة أعوام يقف الآن عند 2.7 في المائة، أي أن هناك فارق خمس نقطة مئوية "0.20". ولو نظرنا إلى معظم حالات الركود الاقتصادي السابقة في الولايات المتحدة فسنجد أن مثل هذه الحالة "انعكاس المنحنى" دوما يعقبها ركود اقتصادي، يستمر في الأغلب من عام واحد إلى عامين. بل نادرا أن يحدث ركود اقتصادي دون أن يسبقه انعكاس في منحى عائد الاستحقاق.
السبب الآخر في عدم اكتراث أسواق الأسهم بالبيانات الاقتصادية هذا الأسبوع يعود لكون عدد كبير من الأسهم القيادية والمؤثرة قد تلقت صفعات تصحيحية كافية منذ بداية هذا العام، ولم يعد هناك مجال لمزيد من الهبوط! على سبيل المثال، شركة شوبيفاي الرائدة في مجال التجارة الإلكترونية أعلنت نتائجها المالية صباح الأربعاء الماضي، حيث أظهرت البيانات تراجع إيرادات الربع الثاني وتحقيقها خسارة في صافي الأرباح، إضافة إلى عزم الشركة تسريح نحو 10 في المائة من موظفيها. في الأوقات الطبيعية، مثل هذا النوع من الأخبار يؤدي إلى قصف عنيف لأسهم الشركة، لكن الذي حصل كان عكس ذلك، حيث ارتفعت أسهمها بأكثر من 11 في المائة. السبب بالطبع أن السوق قد أخذت تلك النتائج السيئة في الحسبان منذ عدة أشهر، حيث خسر السهم نحو 75 في المائة من أعلى قمة بلغها العام الماضي، وبالتالي كانت السوق مستعدة لكذا نتائج.
عملية التصحيح في أسعار الأسهم لم تكن بحاجة إلى إعلان الفيدرالي قراره برفع أسعار الفائدة، ولم تنتظر إعلان مكتب الأبحاث الاقتصادية انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 0.9 في المائة، ليكون ذلك ثاني انخفاض على التوالي، الذي يؤخذ عادة على أنه الدليل المؤكد للركود الاقتصادي. عندما تنخفض أسعار أسهم شركة جوجل "ألفابيت" منذ بداية العام 27 في المائة، وهي الشركة التي يمكن القول إنها هي قلب الإنترنت النابض، ومستقبلها واضح نتيجة تمركزها في عمق التقنية، فإن ذلك يعني أنه من الصعب تراجع أسهمها أكثر من ذلك، ما لم تكن هناك مفاجآت جديدة.
إلى جانب "جوجل" هناك شركات أخرى رائدة وكبيرة وقيادية هي الأخرى تراجعت أسهمها منذ أواخر 2021، منها عملاقة التواصل الاجتماعي "ميتا" "فيسبوك سابقا" التي تراجعت أسهمها بأكثر من 50 في المائة فقط منذ بداية العام، وعملاقة التجزئة الإلكترونية "أمازون" بأكثر من 30 في المائة، بل حتى الشركات الدفاعية القوية مثل "وول مارت" تراجعت أسهمها 16 في المائة منذ بداية العام، و"تارجيت" بأكثر من 30 في المائة. هذا فيما يخص الشركات القيادية القوية، لكن هناك شركات أخرى كثيرة أصغر حجما، لكنها كذلك مسيطرة ومتمركزة في مجالات مهمة، تراجعت أسهمها بنسب أعلى من ذلك، تتجاوز في أكثريتها 70 في المائة، منها "باي بال" للمدفوعات الإلكترونية تراجعت أسهمها بأكثر من 75 في المائة، وشركة نيت فليكس تراجعت بأكثر من 70 في المائة.
إذن سبب عدم تراجع الأسهم الأمريكية عقب البيانات السيئة هذا الأسبوع سببه الأساس هو أنه لم يعد هناك مفاجآت في البيانات والأخبار الاقتصادية، من جهة أخرى أن الأسهم استبقت الأحداث وقامت بالتصحيح في أوقات سابقة.
إنشرها