Author

ما حقيقة «الشركات التي تدير العالم»؟

|

تنتشر بين الحين والآخر منشورات ومقاطع فيديو تشير في مجملها إلى وجود جهات كبرى تدير العالم وتتحكم بكل صغيرة وكبيرة، وتجد مثل هذه الأقاويل صدى وقبولا واسعا لدى شرائح عديدة ممن يصنفون من ضمن أصحاب فكر المؤامرة. كتبت في وقت سابق عن فكر المؤامرة في المال والاقتصاد، وليس هذا موضوع مقالنا هذا، فقط هنا أتحدث عن مقطع فيديو متداول، معد باللغة العربية ويتحدث عن شركة بلاك روك ويثير تساؤلات حولها، ويسأل كيف لم نسمع بهذه الشركة من قبل وهي الشركة التي يأتي حجمها في الترتيب مباشرة بعد الولايات المتحدة والصين!
مقطع الفيديو المذكور يشير إلى أن بلاك روك أغنى شركة في العالم، ويؤكد ذلك بقوله إن الشركات العالمية المعروفة لا شيء أمام هذه الشركة، فلا "تسلا" ولا "مايكروسوفت" ولا "أبل" ولا "جوجل" ولا غيرها يقارب حجم هذه الشركة الغامضة، التي لم تؤسس منذ عشرات أو مئات الأعوام، بل إنها أسست حديثا، تحديدا في 1988. بقية المقطع عبارة عن خليط من حقائق وشكوك وغمز ولمز، تمت صياغتها بأسلوب استقصائي وثائقي لكشف الأسرار وفضح المستور!
الحقيقة أن شركة بلاك روك مؤسسة استثمارية عالمية تدير أصولا ضخمة جدا، بالفعل تقدر بأكثر من عشرة تريليونات دولار، لكنها شركة عامة مدرجة في بورصة نيويورك، يبلغ سعر سهمها نحو 635 دولارا وقيمتها السوقية أقل من 100 مليار دولار، ويستطيع أي شخص تداول أسهمها بيسر وسهولة. وبحكم أنها شركة مدرجة في أكبر بورصة مالية في العالم، فهي تخضع لشروط الإدراج ومعاييره وهي ملزمة بنشر تقارير ربع سنوية وسنوية تحتوي على نتائجها المالية وطبيعة استثماراتها والشركات التي تستثمر فيها. وبالمناسبة، سعر سهمها هذه الأيام منخفض 30 في المائة منذ بداية 2022، وصافي ربحها في 2021 كان 5.9 مليار دولار.
كذلك شركة بلاك روك لديها أعمال في الخليج، وفي المملكة خصوصا، ويوجد لها فرع في المملكة وهي مرخصة من هيئة السوق المالية في المملكة لمزاولات عدة نشاطات منها إدارة صناديق الاستثمار وإدارة محافظ العملاء والترتيب وتقديم المشورة في أعمال الأوراق المالية. وقبل أشهر قليلة تم تفويض الشركة من قبل الصندوق الوطني للتنمية في المملكة للقيام بمهام تتعلق بإنشاء الصندوق الوطني للبنية التحتية والإشراف عليه، وذلك لإضفاء الطابع المؤسسي على سوق البنية التحتية في المملكة من أجل جذب مزيد من رأس المال الأجنبي.
سياق التساؤل عن سبب عدم سماعنا بهذه الشركة خاطئ، فهي ليست شركة لتقديم المنتجات والخدمات المعروفة كشركة أبل أو شركة جوجل، بل هي مؤسسة استثمارية أو مديرة أصول لا يهتم بها كثير من الناس، إلا أنها معروفة للمستثمرين في الأسواق الأمريكية.
وعلى الرغم مما تم إيضاحه بخصوص حقيقة الشركة وطبيعة عملها، تظل هناك تساؤلات منطقية عن قوة الشركة ونفوذها ومدى قدرتها على إحداث تغيرات اقتصادية أو حتى سياسية في الولايات المتحدة وخارجها. مصدر هذا التساؤل أنه من المعروف أن أي شركة لديها أموال طائلة تحت سيطرتها ستكون معرضة لمغريات السلطة والتحكم، وبغياب أسس حوكمة قوية وصرامة في التنفيذ والمراقبة، لا شك أنه من الممكن أن تنزلق الشركة في متاهات الفساد وسوء استغلال السلطة.
وبالطبع، شركة بلاك روك ليست الوحيدة في هذا المجال فهناك مؤسسات مالية أخرى أصغر منها حجما لكنها هي الأخرى تدير أصولا هائلة، مثل مجموعة "فان غارد" التي تدير ما يقارب سبعة تريليونات دولار، ومؤسسة "ستيت ستريت" بما يقارب أربعة تريليونات دولار، وغيرها مثل "كارلايل غروب" و"بيمكو". معظم هذه المؤسسات المالية تعمل في عدة مجالات مالية، من امتلاك أسهم الشركات والملكية الخاصة وأسواق الدين، وإنشاء صناديق الاستثمار المتداولة ETF، وصناديق استثمار تقليدية، وصناديق تحوط، وغير ذلك.
الإشكاليات التي تواجه هذه الشركات هي أنها تستثمر في أصول مالية مثل الأسهم والسندات، التي على الرغم من أنها تقوم بذلك نيابة عن عملائها، وبالتالي فالأموال ليست أموالها، إلا أن هذه المؤسسات المالية لديها حق التصويت نيابة عن عملائها. فالذي يحصل غالبا، على سبيل المثال، هو أن الأسهم المملوكة لشركة بلاك روك في إحدى الشركات المدرجة، وبحسب نسبة التملك، يصبح بإمكان بلاك روك أن تصوت لمصالحها الشخصية أو لمصالح من يتعاون معها، بغض النظر عما إذا كان ذلك في مصلحة الملاك الحقيقيين، الذين هم عملاء بلاك روك.
مثل هذه المخاوف من سوء استخدام السلطة، نتيجة حجم الأموال الواقعة بين أيديهم، يتم التصدي لها في الأغلب بإعلان الشركة عن نتائج التصويت الذي مارسته بشفافية تامة لعملائها. فمثلا، لو أن بلاك روك صوتت في الجمعية العامة لإحدى الشركات، فإنها تتيح نتائج التصويت لعملائها ليكونوا على اطلاع بما صوتت عليه الشركة. كذلك بالإمكان لبعض عملاء هذه المؤسسات المالية أن يصوتوا بأنفسهم، على الرغم من أن الأسهم مسجلة باسم المؤسسة المالية، والهدف من ذلك العمل بشفافية لتفادي أي انتقادات توجه إلى تلك المؤسسات المالية.
إلى جانب قدرة هذه الجهات على استغلال ما لديها من أسهم في التصويت، هناك كذلك تجاوزات وممارسات غير عادلة من الممكن حدوثها نتيجة النفوذ المالي الذي تتمتع به هذه المؤسسات، مثلا على الصعيد السياسي والتأثير في الانتخابات وغير ذلك. إذن، إن وجود أموال طائلة لدى الشركة هو ما يثير المخاوف والقلق لدى الجهات الرقابية، وفي الوقت نفسه هو السبب في وجود مادة دسمة تغذي خيال أصحاب نظريات المؤامرة.

إنشرها