Author

الدعم يقابله تحديد الأسعار

|
بداية أعتذر للقارئ غير المتخصص أن بدت مقدمة هذا المقال معقدة شيئا ما، حيث يتطلب فهمها بشكل كامل معرفة كافية بمبادئ اقتصادية مهمة، ولذا يمكنك الانتقال فورا للفقرات التالية فورا.
يهمني القول عموما، إن العالم أجمع يواجه موجه حادة من ارتفاع الأسعار، خاصة في الخدمات والغذاء، والسبب يعود إلى ثلاثة أمور كما ناقشتها عديد من التقارير، أولها هو حجم الدولار الذي تمت طباعته منذ الأزمة المالية ولم تتمكن الولايات المتحدة من التوقف عن تلك السياسية أو التراخي فيها لأسباب عدة ليس هذا مكان بسطها، والثاني - وهو أهمها - انفجار الطلب المكبوت في فترة كورونا، وهذا يأتي مدعوما بالسبب الأول، فمع وجود دعم كبير وتسهيلات بنكية واسعة النطاق قبل كورونا "على مستوى دول العشرين خاصة" ومع توقف الأعمال تماما في فترة كورونا خاصة السفر والسياحة والتسوق، فقد كان لدى الناس سيولة كبيرة لم تكن تقابلها منافذ كافية على الرغم من محاولة امتصاص الأسواق المالية بعض تلك السيولة، ويأتي السبب الثالث في الحرب الروسية - الأوكرانية التي أوقفت الشحن العالمي لبعض الحبوب والمدخلات الغذائية، خاصة الأسمدة، "هذه الأخيرة قد يأتي تأثيرها مع الشتاء المقبل"، كما تسببت حتى الآن في ارتفاع أسعار الطاقة، ولمعالجة هذا المشهد المعقد يأتي الحل الكلاسيكي الأمريكي برفع سعر الفائدة لأمرين معا، الأول هو دعم قرار الأفراد والشركات بالمحافظة على السيولة في البنوك وعدم صرفها في الاستهلاك، والآخر كبت حماس الاقتراض من أجل الاستهلاك.
الحقيقة الواضحة أن استراتيجية البنك الفيدرالي الأمريكي برفع سعر الفائدة تعد حيلة نفسية أكثر منها وسيلة حقيقية لدفع الأسعار نحو الاستقرار أو التراجع، لكن هذه الحيلة النفسية لا تنفع "أبدا" إلا في دولة رأسمالية حتى النخاع، دولة يقوم النظام المصرفي فيها بدفع فائدة على الحسابات الجارية "وتتنافس البنوك في ذلك"، دولة تتم فيها مراقبة قرارات المستهلكين بصورة دقيقة بمؤشرات ومعلومات ذات مستوى عال. أما إذا كنت في نظام مصرفي لا يقوم بدفع فائدة على الحسابات الجارية، فإن أي رفع لسعر الفائدة لن يحقق الأثر النفسي المرغوب وسينتقل أثره السلبي فقط وفورا إلى الإنتاج ويقلل من حركة رؤوس الأموال الإنتاجية، ما يضعف الإنتاج المحلي ويمنح الإنتاج المستورد فرصة، وهو الذي ينقل معه التضخم العالمي ومشكلات سلاسل التوريد. في مقابل رفع أسعار الفائدة الأمريكية تضطر الدول ذات النظم الرأسمالية الهجينة "من باب مكره أخاك لا بطل" إلى رفع سعر الفائدة لمكافحة قرار عودة الأموال إلى مخازنها في البنوك الأمريكية، لكن قد لا أحد يستطيع مقاومة إغراء الفائدة الأمريكية الخالية من المخاطر، لذلك وببساطة انهارت الأسواق المالية التي حاولت جاهدة خلال كورونا وما قبلها امتصاص السيولة، وانهارت العملات العالمية من مثل اليورو لتراخي المركزي الأوروبي في رفع سعر الفائدة "لكنه سيعود قويا".
لا مشكلات كبيرة في الوصول إلى الدولار أمام الدول "ذات النظام الرأسمالي الهجين" التي لديها سلع ومنتجات مطلوبة ومنافسة عالميا، لكن سيكون لديها مشكلة في المحافظة عليه، فقوة استدعاء البنوك الأمريكية للدولار لا يمكن صدها، المشكلة الكبرى أمام الدول التي لا تستطيع جلب الدولار إلا بالاقتراض "ولا تستطيع المحافظة عليه إلا بقوة النظام"، فهذه سترهن كل إنتاجها المحلي لأعوام عدة مقبلة للمقرضين. وفي الدول "ذات النظام الرأسمالي الهجين" بأنواعها ستكون الأسعار مرتفعة ولا مفر من الدعم "المباشر وغير المباشر"، مباشر مثل دعم الأجور وزيادة الدخل للأسر الأقل حظا، وغير مباشر مثل دعم المنتجين والمستوردين، وفي رأيي، وأعتقد أن العديد يتفق معي، أنه إذا لم يتم تحديد الأسعار فلن ينفع الدعم غير المباشر ولن يصل أثره إلى المستهلكين.
لقد مررنا في المملكة بتجارب الدعم مرات عديدة، خاصة غير المباشر، وكانت تجربة دعم الأرز بعد موجة ارتفاع الأسعار التي حدثت في نهاية العقد الأول من هذا القرن وقبل الأزمة المالية، فقد ارتفعت الأسعار بنسب وصلت إلى 100 في المائة، ولذلك صدرت توجيهات ملكية حينها بدعم الأزر وحليب الأطفال، وكان البعض يتوقع انخفاض الأسعار بنسب تزيد على 25 في المائة، لكن ذلك لم يحدث فعليا، والسبب يعود إلى أمرين معا هما عدم قدرة المستهلكين على ملاحظة تكاليف المدخلات ولذلك لا يمكنهم المفاوضة على السعر، والآخر أن أثر الدعم يزول على طول سلسلة التوريد، فإذا نجح الأثر في المستورد فمن يجبر بائع الجملة على خفض الأسعار المربحة وفوق هذا هامش ربح كبير نظير التخفيض الذي حصل عليه من المستورد، وإذا تحققت رقابة على محال الجملة من يجبر محال التجزئة على التخلي عن الأرباح نفسها؟ سلسلة التوريد الطويلة في بلد عريض كالمملكة امتصت الدعم تماما وبقيت الأسعار مرتفعة، بل زادت دخول المتاجرين بحاجات الناس، وفي وضع مثل هذا فإن الحل يكمن في التسعير، ولا شيء غير ذلك، فيجب وضع سقف للأسعار وفقا لحجم الدعم.
إنشرها