Author

الطاقة وعجلة التنمية

|
ليس مثارا للتعجب أن يعاني بعض دول العالم أزمة اقتصادية تعطل دوران عجلة تنميتها، لكن العجب كل العجب أن تضع هذه الدول المركبة أمام الحصان وتشتكي التعثر! بل الأدهى والأمر أن يتخذ بعض الدول المؤثرة عالميا قرارات استراتيجية تفتقر إلى الموضوعية، وتفتقد أبجديات استشراف المستقبل، فيتعدى أثر هذه القرارات الخاطئة حدود هذه الدول ليؤثر في نطاق أوسع بكثير.
في اعتقادي، أن العالم في الأعوام القليلة السابقة مر بكثير من الأزمات الاستثنائية التي أزعم أنها كافية لتصحيح كثير من المفاهيم، وتفنيد كثير من الأجندات "الطائشة"، فهذه الأزمات إذا ما تمت دراستها بعين منصفة ومحايدة لكانت مخرجات هذه الدراسة بمنزلة أدوات رصينة لاستشراف المستقبل.
أزمة كورونا - على سبيل المثال - لم تكن أزمة عالمية عابرة، كانت حدثا جللا لم يتوقع سواد العالم حدوثها بهذه الحدة، ولم يخطر على بال كثيرين ولا أستطيع القول لم يخطر على بال الجميع أن يتم حظر كثير من الأنشطة الاقتصادية، أو أن تعزل الدول أنفسها، وتحظر التجول. لكن حدث ذلك ووجد العالم نفسه أمام حالة معقدة جدا، يصعب اتخاذ القرار فيها كون هذه القرارات إن سلم فيها الاقتصاد توعكت الصحة، وإن سلمت فيها الصحة تأثر الاقتصاد. ما أعنيه هنا أن ليس جميع دول العالم لديها القدرة على تقديم الصحة على الاقتصاد خلال جائحة كورونا، فالظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تختلف من دولة إلى أخرى وهذه سنة الحياة، فلا يمكن بأي حال من الأحوال وضع خطة موحدة مناسبة لجميع دول العالم. ما سبق ينطبق - في رأيي - على ملف الطاقة العالمي، رغم أنني أعتقد بأن جائحة كورونا - رغم قسوتها ورغم أنها "نحرت" الاقتصاد العالمي من الوريد إلى الوريد - إلا أنها أخف بكثير من حدوث أزمة عالمية للطاقة.
أمن الطاقة العالمي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحقق بصورة مثالية دون تعاون جميع المنتجين والمستهلكين بلا استثناء، ولا يمكن تحميل دولة أو جهة هذا الحمل الثقيل الذي يهم العالم بأسره ويهم الأجيال المقبلة، بل يرتقي لأن يكون قضية وجودية لا تحتمل قرارات استراتيجية غير مسؤولة اليوم سيعاني العالم تبعاتها وآثارها العنيفة في المستقبل. في الوقت الذي يحتاج فيه العالم إلى رفع كفاءة واستهلاك جميع مصادر الطاقة دون استثناء من أجل استدامة وأمن طاقي وإمدادات آمنة حاضرا ومستقبلا، نجد وبكل أسف واندهاش من كرسوا طاقتهم السلبية لخدمة أجندات قاصرة مبنية على رؤية ضيقة لا تتجاوز أرنبة أنفهم. موجات إعلامية لا تهدأ، وأقلام مأجورة لا تكل ولا تمل، لقلب الحقائق وتضليل الرأي العام العالمي وتوجيه آرائهم لتقبل ما يبثونه من معلومات مضللة أو غير دقيقة حول مصادر الطاقة من الوقود الأحفوري وعلى رأسها النفط.
رغم أن حرب روسيا وأوكرانيا كفيلة - في اعتقادي - بأن تفند المزاعم حول تهميش الوقود الأحفوري، ودليل راسخ على أهميته في تنمية دول العالم، وعلى وجه الخصوص، الدول التي حملت لواء محاربته. رحلة تحول الطاقة ليست محفوفة بالورد، بل تتطلب رفع كفاءة إنتاج واستهلاك جميع مصادر الطاقة دون استثناء لا تفويض بعضها، فالعالم لن يتحمل تبعات أزمة طاقة عالمية قد تعيد بعض الدول خطوات كثيرة إلى الوراء، وبعض هذه الدول بدأ العودة فعلا!
إنشرها