Author

تبعات استمرار الحرب في أوروبا

|
لا شك أن الغرب يعمل صفا واحدا لمنع روسيا من تحقيق أهدافها المعلنة والمخفية وراء تدخلها في أوكرانيا والحرب المستعرة هناك التي دخلت شهرها الرابع.
لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية يعمل الحلفاء الغربيون سوية ويتكاتفون ويقبلون دون مضض ما تقرره لهم الولايات المتحدة من خطط ومناهج لمواجهة روسيا في حربها الضروس مع دولة أوروبية.
ولأول مرة أيضا نشاهد حلف الناتو يبرهن أنه ليس مجرد معاهدة عسكرية، بل هيئة يعمل أعضاؤها سويا وبصورة شبه متكاملة تحت قيادة الولايات المتحدة كأنهم جيش واحد واتحاد له كثير من المقومات المشتركة خارج المعاهدة العسكرية التي تجمع أعضاء الحلف الـ 30.
في الحروب السابقة التي قادتها أمريكا في العراق أو أفغانستان مثلا كان من النادر أن نقرأ في الصحافة والإعلام الغربي توصيفات تنعت المعارضين أو المنتقدين بالعملاء أو أنهم يعملون لمصلحة العدو، في هذه الحرب يندر أن نرى صوتا منتقدا أو معارضا بجلاء إلا ونعتوه في الغرب بالعمالة لروسيا.
تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها دون كلل لمنع موسكو من تحقيق أهدافها في الحرب. ليس هذا فقط، بل تجهد في إلحاق الخسارة بروسيا من خلال إلحاق أكبر ضرر ممكن بالاقتصاد الروسي، بفرض أقسى وأوسع عقوبات عرفها العالم منذ أن بدأ الغربيون في استخدام سيطرتهم على التجارة والعملة والعلم والمعرفة والتكنولوجيا سلاحا في معاركهم وصراعهم مع دول أخرى.
ومشهود للغرب ببراجماتيته ومرونته ودبلوماسيته في التعامل والاستجابة للصدمات والأزمات الخطيرة التي واجهها في السابق. غير أن هناك غيابا شبه تام للمرونة والقيادة وصار العالم أمام وضع قد ينفجر ويأكل الأخضر واليابس في أي لحظة.
نحن أمام حرب وحصار صارا مسألة حياة أو موت بالنسبة للأقطاب المتصارعة، ولهذا كل قطب على استعداد للذهاب إلى أقصى ما يمكن تصوره أو حتى عدم تخيله، حتى إن كانت المحصلة هدم البيت على رأس ساكنيه.
وإن كان البعض لم يتحسس حتى الآن أن أركان وأسس البيت الغربي والأوروبي بدأت في الاهتزاز، فما عليه إلا أن يراقب مسار الأسعار وتوافر المواد الأساسية للحياة.
لم تتوقع روسيا أن يجتمع الغرب كرجل واحد ضمن إطار حلف الناتو أو خارجه ويتحد أولا في فرض حصار مطبق، وثانيا في الوقوف بقوة وصرامة من خلال تقديم كل عون ممكن لمنح أوكرانيا فرصة منع روسيا من الانتصار في الحرب.
ومن الجانب الآخر، ربما لم يدر في خلد الغربيين أن الأمن والرخاء اللذين تنعموا بهما منذ الحرب العالمية الثانية أصبحا في مهب الريح، وأن سلاحهم الفتاك المتمثل في إقحام العقوبات الاقتصادية في المعركة قد يرتد وبالا.
نحن أمام مشهد لم نألفه في العلاقات الدولية وتأثيرات الحصار كسلاح في يد الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. وصرنا أيضا وجها لوجه أمام حرب تعبر تبعاتها جغرافيا عملياتها العسكرية وتصبح ذات عواقب كونية. نقرأ في الصحافة الغربية عن الفقر الذي سببته هذه الحرب ونقرأ عن أن الرخاء الذي عاش الناس في بحبوحته آيل للزوال، لا بل نقرأ أن اقتصادات كبيرة مثل ألمانيا وإيطاليا حتى بريطانيا قد تقع في شباك انكماش اقتصادي لن تستطيع الإفلات منه.
ونقرأ أيضا أن الحصار على روسيا بدأ يرتد سلبا على الذين فرضوه في أكثر من مضمار، وتبعاته قد تسبب مجاعة على مستوى العالم.
لم تكشف حرب سلبيات عالمنا الذي نعيشه مثل الحرب القائمة في أوروبا، وربما لما كنا على علم أن سيف الحصار الاقتصادي في يد الغرب الذي كانت فرائص الدول ترتعد منه مجرد إشهاره في الإمكان ثلمة.
ومن كان على دراية أن صنابير الطاقة الأحفورية التي تمسك روسيا بزمامها قد يخنق غلقها اقتصادات أوروبية كبيرة، ثم كيف ظهر لنا أن عقد توريد سلاسل المواد الغذائية الأساسية ومواد حيوية أخرى كان في يد روسيا، أو أن الحرب منحت موسكو فرصة التحكم بها نتيجة تدخلها في أوكرانيا.
وهكذا صار العالم رهينة هذه الحرب ومآلاتها وتبعاتها وتوقعاتها التي تؤكد أن مجاعة كبيرة مقبلة وأننا صرنا على أعتاب حرب عالمية ثالثة.
أوقع الغرب وروسيا أنفسهم والعالم برمته في أزمة خانقة. روسيا لا يمكنها أن تخسر الحرب، وأمريكا وحلفاؤها لا يمكن أن يقبلوا وقف هذه الحرب وروسيا منتصرة.
مع كل هذا ليس هناك ربان له المقدرة والحكمة لقيادة السفينة، رغم أن غرقها قد لا يستغرق طويلا إن لم نصل بها إلى بر الأمان.
إنشرها