Author

صيف ساخن على الأسواق العقارية

|
استبقت أسواق المساكن في الولايات المتحدة مع بداية موسم الصيف بقية أسواق العقار حول العالم، بانخفاض أسعار المساكن للشهر الثاني تواليا، وفقا لـ"فوربس"، ليكمل مسيرة ستة أشهر متتالية من وتيرة انخفاض مبيعات المساكن، وانخفاضها إلى أدنى مستوى لها خلال عقد زمني مضى. وتضاعفت الضغوط على السوق الأمريكية أخيرا، بالتزامن مع ارتفاع معدل الفائدة على الرهن العقاري الثابت الشائع لفترة 30 عاما بين 5.5 في المائة إلى أعلى من 6.2 في المائة بحلول منتصف الشهر الجاري، وتعد تلك المستويات من الفائدة الأعلى منذ الأزمة المالية لعام 2008.
ولم تتأخر سوق الإسكان الكندية كثيرا، التي وفقا لتقرير صادر عن "بلومبيرج"، انخفضت للشهر الثاني تواليا مع مطلع الربع الثاني من العام الجاري، متأثرة هي أيضا بالارتفاع المطرد الآن في تكاليف الاقتراض، وتعد سوق الإسكان الكندية من أكثر أسواق الإسكان سخونة على مستوى العالم، وتراجعت مبيعات المساكن للفترة نفسها بصورة حادة، وسجلت انخفاضا شهريا وصلت نسبته إلى 8.6 في المائة، وحسبما أوضح تقرير "بلومبيرج"، فقد جاءت تلك الانخفاضات المفاجئة بعد ارتفاع أسعار المنازل في كندا بأكثر من 50 في المائة طوال العامين الماضيين، نتيجة للانخفاض الحاد في معدلات الفائدة، ما أسهم بدوره في زيادة الطلب على مساحات سكنية أكبر، وإلى ارتفاع حدة المزايدات لأجل شراء العقارات في كندا.
ولا تقف تلك المستجدات العكسية على مستوى أداء الأسواق العقارية حول العالم عند ما تقدم، فقد طالت سوق الإسكان الصينية، التي عانت تعثرات وانكشاف كبرى شركات التطوير العقارية في الصين منذ العام الماضي. وأخيرا، أدى تفاقم التحديات في السوق العقارية الصينية إلى انخفاض قيمة المبيعات العقارية بنهاية آذار (مارس) الماضي بنسبة سنوية قياسية وصلت إلى 29 في المائة، وفقا للبيانات الصادرة من "المكتب الوطني للإحصاء"، كما استمرت استثمارات التطوير العقاري في التراجع بنسبة 2.4 في المائة للشهر نفسه. وحسبما أفادت "بلومبيرج"، فقد شكل هذا التراجع العقاري الصيني ضربة جديدة للقطاع، الذي يعاني في الأصل أزمة سيولة حادة وسط بيئة المطورين العقاريين الصينيين، أفضت إلى تعثر وتيرة الإنشاءات، وإلى تحطم ثقة المشترين النهائيين للمساكن، وتفاقم موجة التخلف عن سداد الديون العقارية.
تزداد سخونة موسم الصيف على الأسواق العقارية حول العالم، بعد موجة ارتفاعات قياسية لأسواق العقار السكنية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، رصدتها بيانات بنك التسويات الدولية BIS بارتفاع المتوسط العالمي لأسعار العقارات السكنية بنحو 13.0 في المائة، وبنحو 20.0 في المائة في اقتصادات الدول المتقدمة، وتجاوزت 18.1 في المائة في منطقة اليورو، بينما وصل متوسط الارتفاع في اقتصادات الأسواق الناشئة إلى أعلى من 7.1 في المائة، وتظل جميع تلك المعدلات من النمو أدنى بكثير مما لمسته من ارتفاع غير مسبوق بالنسبة للسوق العقارية المحلية خلال الفترة من 2019 إلى 2022. وكما هو معلوم، فقد أسهم انخفاض معدلات الفائدة على تكلفة الحصول على القروض العقارية في مختلف البلدان، إضافة إلى السياسات المالية التحفيزية، التي لجأت إليها أغلب الاقتصادات بعد الجائحة العالمية لكوفيد - 19، كل ذلك أسهم في تصاعد وتيرة ارتفاع أسعار المساكن في مختلف الأسواق العقارية عالميا، لتصطدم أخيرا مع تحول البنوك المركزية في مختلف الدول نحو رفع معدلات فائدة الإقراض، لمواجهة ارتفاع التضخم، إلى أعلى مستويات له خلال أكثر من أربعة عقود زمنية مضت، وبدء أغلب وزارات المالية في تخفيف السيولة المنفقة في الاقتصادات والأسواق، الذي نتج عنه دخول الأسواق المالية حول العالم في موجات هابطة، أفقدتها بين 10 في المائة إلى أعلى من 30 في المائة من قيمتها السوقية، مقارنة بقيمتها نهاية العام الماضي.
وبالنظر إلى أن الاقتصادات والأسواق حول العالم، لا تزال في بداية طريق التوجهات الجديدة للبنوك المركزية على مستوى رفع معدلات الفائدة، المتوقع أن تستغرق عامين إلى ثلاثة أعوام مقبلة، ومع صعود احتمالات دخول الاقتصاد العالمي في ركود تضخمي أغلب تلك الفترة، إضافة إلى التصعيدات الجيوسياسية في أكثر من منطقة من العالم "على رأسها الحرب الروسية - الأوكرانية"، ولجوء عديد من الاقتصادات إلى استمرار العمل بالإجراءات المضادة لانتشار الأوبئة "الصين"، وما يترتب عليه من انقطاع سلاسل التوريد، فإن كل ذلك سيؤدي بالتأكيد إلى مضاعفة الضغوط على عموم الأسواق حول العالم، ومن ضمنها بالتأكيد الأسواق العقارية، وهو ما بدأت مؤشراتها الأولية تؤكده عبر انخفاض مبيعاتها ومستويات الأسعار فيها بصورة مبكرة، ويتوقع مع سياسات البنوك المركزية المتشددة لمواجهة التضخم الراهن، أن تتضاعف تلك الضغوط على الأسواق العقارية، وعلى أسعار المساكن تحديدا، كون زبائنها يعتمدون بالدرجة الأولى على الائتمان البنكي، والذين أصبحوا في مواجهة معدلات فائدة متصاعدة، ستلقي بظلالها القاتمة بالتأكيد على قدرتهم الشرائية، وسينعكس كل ذلك سلبا على الأسعار المتضخمة خلال الفترة الراهنة لمختلف أنواع المساكن.
محليا، تخضع السوق العقارية لعديد من العوامل المرتبطة بتراجع معدلات القروض العقارية الجديدة للقطاع السكني، التي سجلت وفق أحدث بياناتها انخفاضا سنويا 40.8 في المائة للشهر الثامن على التوالي بنهاية نيسان (أبريل) الماضي، واقتران ذلك بوتيرة متصاعدة لأسعار الفائدة على الإقراض البنكي، نتيجة السياسات التي بدأتها البنوك المركزية عالميا لمواجهة أكبر حزما تجاه التضخم، ومن ضمنها بالتأكيد البنك المركزي السعودي، وهو ما نتج عنه ارتفاع معدل فائدة الإقراض بين البنوك السعودية إلى أعلى من 3.2 في المائة بعد قرار الرفع الأخير في منتصف الشهر الجاري، وهو المستوى الأعلى له منذ نهاية 2008 حتى تاريخه، وقد أسهمت تلك العوامل مجتمعة وغيرها من العوامل الأخرى في إحداث مزيد من الضغط على نشاط السوق، التي تستقر مستويات الأسعار السوقية لمختلف الأصول فيها من أراض وعقارات عند أعلى مستوياتها السعرية تاريخيا، ولا تزال تراوح ضمن تلك المستويات المرتفعة منذ مطلع العام الجاري، ولا يتوقع بالتزامن مع التطورات الراهنة والمرتقبة أن يستمر طويلا ذلك الثبات في مستويات الأسعار السوقية لمختلف الأصول العقارية، فتأخذ مسارا عكسيا لما تحقق لها طوال الأعوام الأخيرة، وهو الأمر الإيجابي بكل تأكيد الذي سيسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي، ويسهم أيضا في تحسين الجوانب التنموية الشاملة، ويدفع بدوره من نشاط الجوانب المنتجة من الاقتصاد الوطني.
إنشرها