Author

بين النقد والانتقاد

|
هناك بعض المصطلحات تكون في ظاهر لفظها متشابهة، لكنها في حقيقتها متباينة، ومن ذلك مصطلحا النقد والانتقاد، فالبعض يظن أنهما يدلان على المعنى نفسه، وهذا غير صحيح. فالنقد هو تقييم الأداء تقييما منهجيا يبين مواطن الضعف ومواطن القوة ويركز على الأمور التي ينبغي إصلاحها ويأتي من شخص مختص، ويكون مبنيا على أساس موضوعي ومنهجي دون أن يتوجه النقد للشخص نفسه.
أما الانتقاد فتجد صاحبه يهتم بتصيد الأخطاء والجوانب السلبية والتجريح دون تصويب أو بيان للحقيقة، وفي الغالب يتوجه إلى انتقاص الإنسان أو صاحب العمل وذمه ويصدر عادة من غير ذوي الاختصاص. وباعتبار أن الكمال لله وحده وأن كل ابن آدم خطاء، فإن النقد الإيجابي يعد أمرا محمودا، بل ضروريا وذا أثر بالغ في الأفراد والمجتمعات.
ففي الحديث "المؤمن مرآة أخيه.." بحيث إذا رأى الإنسان من صاحبه ما يشينه، فإنه يجب عليه تنبيهه، لكن بلطف ورفق ومحبة وحكمة وعدم عنف أو قسوة ويكون في السر أي بينه وبين صاحبه، حتى يحصل المراد من النقد ويتحقق المقصود. والمتأمل في هذا الحديث يجد أنه على الرغم من قصره إلا أن معانيه عظيمة، فالمرآة تتميز بالصدق فهي تعكس الصورة على طبيعتها الحقيقية دون زيادة أو نقصان، وكذا الناقد يجب ألا يكتم من عيوب صاحبه شيئا يعرفه كما ينبغي ألا يمدحه بما ليس فيه. المرآة من صفاتها أيضا أنها تظهر العيب جليا واضحا كما هو. كما تمتاز بالصفاء وأنها لن تعكس إلا الصورة الحقيقية فكذا الناقد يكون صافيا نقيا حال نقده للآخرين.
ومن صفاتها أنها لا تعكس الصورة إلا حضوريا، فإذا ابتعد عنها الإنسان زالت صورته فهكذا من ينتقد وينصح صاحبه، فإن ذلك يكون في وجهه مباشرة وليس من ورائه. والمرآة لا تريك إلا الظاهر ولا تعكس الباطن وكذا الناقد يجب إلا يبحث عن بواطن الأمور وإنما يعامل الناس بظواهرهم. النقد يجب أن يكون موضوعيا وفي أمور تستحق ذلك، وإلا فلن يكون له قيمة ولن يكتب له قبول.

إذا كنت في كل الأمور معاتبا رفيقك لم تلق الذي لا تعاتبه

الخيط الرفيع بين النقد والانتقاد ينبغي التنبه له ورقي الأفراد والمجتمعات يقاس بدرجة التقبل للنقد الهادف والبناء والإفادة منه، ولله در الفاروق القائل، "رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي".
إنشرها