Author

كل الطرق تؤدي إلى الركود التضخمي

|
انتهى الصراع الذي امتد طوال عام 2021 ومطلع العام الجاري بين فريق التضخم المؤقت الذي مثلته البنوك المركزية الرئيسة وأغلب باحثي "وول ستريت"، مقابل فريق التضخم المستمر بقيادة لورانس إتش سامرز، ومحمد العريان، ونورييل روبيني، وخبراء اقتصاديين آخرين، لمصلحة الفريق الثاني، وأثبتت النتائج على أرض الواقع صحة رؤيتهم، لتتخلى البنوك المركزية تماما عن تفسيرها غير الدقيق لظاهرة تصاعد التضخم، وتبدأ بمواجهته عبر عديد من السياسات النقدية المتشددة، ليس رفع معدل الفائدة إلا رأس حربة تلك السياسات.
قامت رؤية فريق التضخم المؤقت على أن أسباب التضخم تعود إلى التأثيرات الأساسية والاختناقات المؤقتة في العرض، ما يعني ضمنا أن التضخم المرتفع سرعان ما سيتراجع إلى النطاق الذي تستهدفه البنوك المركزية عند مستوى 2 في المائة، بينما رأى فريق التضخم المستمر، حسبما حدده نورييل روبيني، أنه سيظل مرتفعا، بسبب فورة النشاط الاقتصادي الناتجة عن الطلب الكلي المفرط، المدفوع بثلاث قوى رئيسة: 1 - السياسات النقدية المتساهلة باستمرار. 2 - السياسات المالية التحفيزية المفرطة. 3 - التراكم السريع لمدخرات الأسر أثناء تفشي الجائحة العالمية لكوفيد - 19، ما أدى بدوره إلى احتشاد الطلب المتراكم أمام بوابات الاقتصادات والأسواق بمجرد إعادة فتحها. 4 - الصدمات السلبية المتكررة للعرض الكلي، بدءا من إغلاقات الاقتصاد، مرورا بالاضطرابات الكبيرة في سلاسل التوريد العالمية، وانخفاض عرض القوى العاملة، مرورا باشتعال الحرب الروسية الأوكرانية، وتسببها في ارتفاع أسعار السلع والطاقة والمعادن الصناعية والأغذية والأسمدة، وصولا إلى الإغلاق التام للصين ضد الفيروس المتغير أوميكرون، وما سببه من اختناقات أخرى في سلاسل التوريد.
وقبل أن نشهد جميعا فصول نهاية الصراع السابق أعلاه الذي انتهى لمصلحة فريق التضخم المستمر، نشأ صراع آخر تبنى فيه الفريق الكاسب آراء ذهبت إلى أن لتأخر البنوك المركزية في مواجهة التضخم قبل أن يصل إلى أعلى مستوياته خلال أكثر من 40 عاما مضى ثمنا باهظا على كاهل الاقتصادات والأسواق، وأن التضخم الراهن لن يتم التخلص منه ومن آثاره إلا بعد عامين على أقل تقدير! وقد تمتد لفترة أطول من ذلك، وأثناء تلك الفترة سيخضع الاقتصاد العالمي لركود تضخمي "انخفاض النمو الاقتصادي بالتزامن مع ارتفاع التضخم"، وينظر الفريق المنتصر هنا إلى صلابة الاعتبارات التي يتمتع بها هذا السيناريو المقلق، بدءا من استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، والسياسات المتشددة للصين في مواجهة الأوبئة المتجددة، وما يترتب عليها من انقطاعات متكررة في سلاسل التوريد، إضافة إلى التقلبات الحادة التي تشهدها الأسواق حول العالم، وكل هذا سيتم خلال الفترة الراهنة وفي المستقبل القريب بالتزامن مع تشدد سياسات البنوك المركزية، على عكس ما كانت عليه منذ تفشي الجائحة العالمية كوفيد - 19، وشهد الاقتصاد العالمي والأسواق نتائج قاسية جدا طوال تلك الفترة، رغم السياسات النقدية المتساهلة، والسياسات المالية التحفيزية المفرطة. والآن يتكرر السيناريو بوتيرة أشد وطأة على الجميع، مضافا إلى وقوده 1 - الصراع الروسي الأوكراني وما اقترن به من عقوبات واسعة على الجانب الروسي، سرعان ما انعكست آثارها على أسعار السلع والطاقة والمعادن الصناعية والأغذية والأسمدة بالارتفاعات القياسية غير المسبوقة. 2 - انتقال البنوك المركزية وماليات الحكومات من منطقة السياسات النقدية المتساهلة والمالية التحفيزية، إلى منطقة التشديد النقدي والمالي.
أظهرت الفترة الأخيرة رغم رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي معدل الفائدة مرتين، وقيام أغلب البنوك المركزية حول العالم بالخطوة نفسها، وبعضها تجاوز مرات رفعه الفائدة ما قام به الفيدرالي الأمريكي، استمرار معدل التضخم في الارتفاع، وتباطؤ معدلات نمو الاقتصادات، ورضوخ الأسواق لموجة من التقلبات الحادة، وسرعان ما ستنعكس على معدلات البطالة بالارتفاع خلال الأشهر المقبلة، ما يعني دخول البنوك المركزية في حيرة أكبر أمام خيارات كبح التضخم المستمر في الارتفاع، الذي كما يبدو أن تباطؤ أو انخفاض النمو الاقتصادي وهبوط الأسواق وارتباك أسواق العمل هي المرآة الأكثر تشوها، والأسبق في التأثر برفع معدلات الفائدة، بينما لا يزال معدل التضخم صاعدا ولم يفت له عزم رغم تشديد السياسات النقدية والمالية!
وتدرك جيدا البنوك المركزية أن أي عودة إلى الخلف أو تباطؤ منها في مواجهة التضخم، كنوع من تخفيف الضغوط على الاقتصادات والأسواق، سيترتب عليه ارتفاع أسرع وأكبر لمعدل التضخم، ستتلاشى تحت وطأته أي مكاسب قد تتحقق للاقتصادات والأسواق! مع تأكيد أهمية الانتباه إلى عديد من العوامل الأساسية المؤثرة الناشئة من الصراعات الدولية الراهنة بدءا من الصراع الروسي الأوكراني، وهل ستتسع دائرته أو تنحسر؟ والمناطق الأخرى المتأهبة للاصطدام أكثر منها إلى السلام، كالتي بين الصين وتايوان ومن خلفها الولايات المتحدة، والتمرد المتكرر من كوريا الشمالية تجاه جيرانها والمجتمع الدولي، إضافة إلى السقوط المتتالي لأغلب الدول الأدنى دخلا في براثن الإفلاس والتعثر عن سداد مديونياتها الدولية، وما ينشأ عنها من نزاعات وصراعات حادة داخلية.
كل هذا وغيره من الصورة الضبابية التي يقف أمامها الاقتصاد العالمي لخصه نورييل روبيني، في نهاية مقاله الأخير "لا تراهن على هبوط هادئ"، بقوله: "ما السيناريو الأكثر احتمالا؟ كل هذا يتوقف على مجموعة من العوامل غير المؤكدة، بما في ذلك استمرار دوامة الأجور والأسعار، المستوى الذي يجب أن ترتفع إليه معدلات السياسة لكبح جماح التضخم عن طريق إيجاد ركود في السلع وأسواق العمل، واستعداد البنوك المركزية لفرض سياسات مؤلمة قصيرة الأجل، من أجل تحقيق أهداف التضخم التي حددتها، تشير الأدلة التاريخية إلى أن الهبوط الهادئ أمر بعيد الاحتمال. ويؤدي هذا إما إلى هبوط شديد وعودة إلى تراجع التضخم، أو إلى سيناريو الركود التضخمي. وفي كلتا الحالتين من المرجح حدوث ركود في العامين المقبلين. ما يعني بدوره كأكبر الاحتمالات الراهنة على أن كل الطرق الراهنة والمرتقبة حتى تاريخه، تشير مجتمعة إلى اتجاه الاقتصاد العالمي نحو الركود التضخمي، ما لم يطرأ تغيير أساسي على تلك الاعتبارات التي دفعت بارتفاع نسب هذا الاحتمال، وبتغيرها قد يكون ممكنا للاقتصاد العالمي تجاوز هذا المنعطف والنهاية المؤلمة.
إنشرها