Author

تحسن قياسي على طريق التعافي الاقتصادي

|
أنهى الاقتصاد السعودي الربع الأول من العام الجاري على نمو سنوي حقيقي بلغ 9.9 في المائة، كأعلى نمو ربع سنوي منذ الربع الثالث 2011، مدفوعا بالنمو الحقيقي القياسي للقطاع النفطي الذي سجل نموا ربع سنوي وصل إلى 20.3 في المائة، فيما سجل القطاع الخاص نموا ربع سنوي بالأرقام الحقيقية بلغ 3.6 في المائة، مقارنة بنموه الحقيقي عن الربع الأول من العام الماضي البالغ 5.0 في المائة، ومقارنة بنموه ربع السنوي عن الربع الرابع من 2021 البالغ 4.9 في المائة.
أدى الارتفاع القياسي في أسعار النفط خلال الفترة الراهنة الناتج عن الأوضاع التي يواجهها الاقتصاد العالمي بدءا من الحرب الروسية الأوكرانية وما نتج عنها من عقوبات غربية على الاتحاد الروسي، إضافة إلى التقلبات التي تعيشها الأسواق والاقتصادات حول العالم، الذي انعكس بدوره على تسارع معدلات النمو الحقيقية للقطاع النفطي للربع الثالث على التوالي، بدءا من ارتفاعه بمعدل 9.3 في المائة بنهاية الربع الثالث 2021، ثم إلى 10.8 في المائة بنهاية الربع الرابع 2021، حتى وصل إلى أعلى معدل نمو ربع سنوي حقيقي له منذ الربع الرابع 2011 الذي تحقق خلال الربع الأول من العام الجاري.
انعكست معدلات النمو الإيجابية للقطاع النفطي على عديد من مؤشرات الأداء الاقتصادي والمالي محليا طوال الثلاثة أرباع الماضية، لعل من أهمها التحسن الكبير في المالية العامة، وتصاعد وتيرة نمو أغلب النشاطات الاقتصادية المحلية، التي شهدت وتيرة نمو جيدة للربع الخامس على التوالي، في إشارة حقيقية إلى استمرار سيرها على طريق استعادة التعافي الاقتصادي، وذلك رغم تباطؤ معدلات نموها الحقيقي خلال الربع الأول من العام الجاري، مقارنة بنموها الحقيقي خلال الربع الرابع من العام الماضي، إلا أن الاقتصاد الكلي عموما والقطاع الخاص ما زال يتمسك بتحسن أغلب مؤشرات الأداء وتصاعد فرص النمو خلال الفترة الراهنة ومستقبلا، قياسا على التحسن الكبير الذي حققته المالية العامة، إضافة إلى التحسن الكبير والقياسي لتدفقات الاستثمار الأجنبي خلال الربع الأول من العام الجاري، ما يشير في مجمله إلى رسم صورة إيجابية حتى نهاية العام الجاري، وصلت إلى رفع تقديرات النمو الحقيقي للاقتصاد السعودي بأعلى من 7.0 في المائة، رغم خفض توقعات النمو لأغلب الاقتصادات حول العالم، نتيجة للتحديات والصراعات العسكرية والتجارية المنتشرة في عديد من الدول والمناطق.
صحيح أن الأسعار القياسية التي وصلت إليها أسعار النفط العالمية لعبت دورا في تعزيز الأداء المالي والاقتصادي طوال الفترة الماضية، إلا أن الحقيقة تتجاوز تلك الصورة الظاهرية إلى ما هو أعمق التي تشير إلى جني الاقتصاد الوطني ثمار الإصلاحات الهيكلية الأكبر في تاريخه المعاصر، التي بدأت من منتصف 2016 واستمرت حتى الفترة الراهنة، تحت مظلة رؤية المملكة 2030 وما تضمنته من برامج تنفيذية واسعة ومتنوعة، ولعبت دورا رئيسا في تأمين قدرة وصلابة الاقتصاد الوطني أمام التداعيات الشديدة والناتجة عن الجائحة العالمية لكوفيد - 19، التي ضربت كل الاقتصادات حول العالم مسببة ارتفاعات قياسية في معدلات البطالة، وانكماشا في الاقتصادات والأسواق، وجاءت أدنى صدمة بالنسبة للاقتصاد السعودي، وأظهر وتيرة تعاف أسرع من كثير من الاقتصادات مع نهاية 2020 ومطلع 2021، تأكدت مع تحقيقه أول معدل نمو ربع سنوي حقيقي خلال الربع الثاني من العام الماضي، واستمرت وتيرته في التصاعد إلى 7.0 في المائة بنهاية الربع الثالث 2021، إلى أن وصل إلى معدل نموه القياسي الأخير عند 9.9 في المائة بنهاية الربع الأول من العام الجاري.
واقترن كل ذلك بتراجع معدل البطالة من مستوياته التاريخية التي وصل إليها في منتصف 2020، إلى أن استقر عند 11.0 في المائة بنهاية العام الماضي، ويتوقع أن يستمر تراجعه خلال العام الجاري إلى ما دون ذلك المستوى، ويؤمل أن يستمر تحسن معدلات التوطين التي شهدت تسارعا جيدا منذ النصف الثاني من العام الماضي ولا تزال، إضافة إلى تحقيق المالية العامة لأعلى فائض ربع سنوي منذ بدء إعلان الميزانية بصورة ربع سنوية، وصل إلى 57.5 مليار ريال بنهاية الربع الأول من العام الجاري، ويتوقع في ظل التحسن القياسي الذي لا تزال تشهده الأسعار العالمية للنفط، أن يستمر ذلك الفائض حتى نهاية العام الجاري بمشيئة الله تعالى.
ختاما: سيكون النشاط الأكثر استهدافا بمزيد من الانتعاش والنمو متمثلا في القطاع الخاص، الذي يؤمل أن يستجيب لعديد من المؤشرات الإيجابية الراهنة، رغم ما يشهده الاقتصاد العالمي من تحديات واسعة ومتجددة، خاصة مع ارتفاع معدلات الفائدة حول العالم، بهدف التصدي لارتفاع معدلات التضخم غير المسبوقة منذ أكثر من أربعة عقود زمنية مضت، ذلك أن القطاع الخاص محليا يشهد تحفيزا ودعما واسعا ومتنوعا من عديد من المصادر، بدءا من الإنفاق الحكومي والإنفاق الاستثماري المتأتي من صندوق الاستثمارات العامة وصولا إلى الزيادة المطردة في تدفقات الاستثمار الأجنبي، التي من شأنها مجتمعة أن تضيف مزيدا من الملاءة والفرص الواعدة أمام القطاع الخاص، ليتمكن من النمو بمعدلات متسارعة وأفضل، تتيح له إيجاد مزيد من الوظائف أمام الباحثين عن العمل من الموارد المواطنة، وتمكنه من زيادة مساهمته في الناتج المحلي، وزيادة قدرته على تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وكل هذا مرهون بالتأكيد بجني مزيد من ثمار الإصلاحات الهيكلية الجاري تنفيذها على الاقتصاد الوطني، ودون إغفال لما يمر به الاقتصاد العالمي من تحولات وصراعات على المستويات كافة، والنظر إلى أن الرحلة بصورة عامة للاقتصاد الكلي عموما، وللقطاع الخاص خصوصا، يجري العمل عليها ضمن بيئة اقتصاد عالمي غير مستقرة، إلا أن الرهان على ممكنات وفرص الاقتصاد الوطني أكبر من تلك التحديات المحيطة عالميا وإقليميا.
إنشرها